مواسم البوح

خاطرة: “صمتي”

صوت عقارب المنبه على مكتبي يقتلني..يذكرني بثقل هذا الزمن حين تنتظر شيئا أو أحدًا..كم هو طويل زمن الانتظار..ذلك المنبه الأبله يعلن السابعة من صباح يوم ثقيل على الذاكرة..لا أستطيع تجاهل الساعة كأني أصبحت مهووسة بالزمن..مع أنه بلا معنى ولا أهمية..زمن يمضي وكفى..تتجاوز عقارب ساعة ذلك المنبه تلك الأرقام مخلفة وراءها دواوين الزمن الحزين وأنا ما أزال قابعة في مكاني وكأني إن تحركت ستتغير خريطة العالم أو يختل توازن الكرة الأرضية..محاولة بأن أبوح لذلك العقرب الطويل اللعين بما يتوارى وراء صمتي..

لم أكن أعلم أن للصمت كل هذه الأسلحة الفتاكة ليجعل قلبي وعقلي أشلاء مبعثرة على جانب طريق طويل من الكدمات غير المنتهية..أنا التي كنت أهرب دائما إلى الصمت لأتجنب المواجهة..كان سلاحي الواحد والوحيد لأرد به شيئا من الألم..هم يريدون صمتي وأنا ما عدت للصمت مبالية..ينعشون أنفسهم من كثرة صمتي وأنا جاعت حبال صوتي للكلام والصراخ..

أريد البوح بمكنون صدري فما وجدت إلاّ ذلك العقرب أحكي له ما يخنقني..كلما أردت البوح تهجرني كلماتي..تخونني أحاسيسي..سكوتي لهم نعمة ولي ألف نقمة..اتخذت منه في البداية سلاحي وقلت أن الصمت لغة العظماء..فإذا بي أدمنته..عشقته..دون أن أدري أنه يوما ما سيصير قاتلي..ويا لكيد المعشوق حين يتسلح بعشق عاشقه..

لقد أحطت نفسي بجدار الصمت فلم أدعُ أحدا إلى داخله..ولم أغامر بالخروج منه حتى..لم يشعر أحد أن صمتي مليء بالكلام..أصمت حين تؤلمني جراحي وأقسى من حنين الجرح صمتي..صمتي يشعرني أني أكبر من عمري..أكبر بأحزاني المتثاقلة والتي قررت أن تجعل من روحي مسكنها الدائم.

أما الآن ها هي كلماتي تتحداني وتذكرني بحقيقة لم أملك يوما القدرة على مواجهتها..ما هذا السحر الذي تمتلكه الكتابة..؟! كيف لي أن أتعرّى بالكتابة ولم أفعل ذلك يوما ما حتى مع نفسي..؟ كيف لي أن أُقرّ هنا بحقيقتي التي أهرب منها كل مرة..؟! لكن في النهاية هل سيتغير شيء بالكتابة؟؟ هل سأشفى من حقيقتي الهشّة وصمتي العنيد؟؟.

ما ذنب فتاة في العشرين من عمرها لترمي بها الأقدار في هذه البقعة من الأرض..؟ لكني سأكتب وعبر الكتابة سأجد بالتأكيد ذلك السر في معنى وجودي على هذه الأرض..

أعرف تماما أني في أحيان كثيرة أكتب أشياءً قاسية جدّا..لكن الكتابة هي متنفسي الوحيد..حقيقتي التي أواجهها بكل قسوتها وجمالها..بكل المنعرجات التي نتحاشى حتى التفكير فيها وحدنا أمام ذلك العقرب اللعين..

هم يرغبون في صمتي وأنا أريد صوتي..فلم أجده إلا عن طريق كتاباتي..

أسينات بوزعدير / سطيف

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق