مواسم البوح

خاطرة: في دنياي الأسماك تغرد القلم يرقص والعصافير تسبح في المستنقعات

فيما أنا جالسة الآن تقابلني أختي الصغرى تحرك دماها وتكلمهم  تخترع قصصا خيالية لمملكة أحلامها …

تذكرني أختي كم أن الحياة كانت جميلة إذ كنا أطفالا، حينما كانت رؤوسنا بالكاد تظهر عندما نقف أمام مرآة الحمام، يوم كانت أبسط أمانينا كيس حلوى وبعض من غزل البنات …

أسمعت أختي عنوان هذا النص  (في دنياي / الأسماك تغرد، القلم يرقص والعصافير تسبح في المستنقعات ) ثم سألتها  “هل أعجبك  ؟؟ ”  أتعلمون ماذا فعلت لقد ضحكت ببراءة  ثم فكرت وهي مستغربة لبرهة وقالت ” لكن يا أختي أنت مخطئة إن السمك يسبح والعصافير تغرد وليس العكس .. فكيف للسمك أن يغرد ؟ ” ثم حاولت تقليد صوت سمكة تغرد تحت الماء فضحكت وضحكت معها ثم عادت للعبها ودماها، هي محقة ففي عالم الأطفال الأسماك لا صوت لها فكيف سيكون لها أن تغرد .

لكن في دنيا البالغين كل شيء ممكن، أختي لا تدرك أن الأسماك  العصافير هم نحن – نحن البشر – .

فكل رئيسٍ وكل وزيرٍ  كل سياسيٍ، مديرٍ، قائدٍ  كل المشاهير مغنيٍ، ممثلٍ، فكاهيٍ، صحافيٍ وكل من أوصل صيته لبقاع الأرض معلناً ولادة تفاهة جديدة هو سمكة، سمكة اِحتلت عش العصفور ثم غردت وقالت “أنا سأحكم العالم، أنا سأغير العالم، أنا من ستميل كفة الميزان، أنا من سأغرد فجراً بدل العصفور الغارق إلى الأبد .”

وكل موظفٍ، إنسانٍ بسيطٍ، عاملٍ، فقيرٍ صامتٍ، بطالٍ شاحبٍ، وكل شعب محتقرٍ مهان هو عصفور مسكين يجاهد ليسبح، ليخرج من مستنقع هذا العالم، يحاول ثم يحاول يبحث عن ضوء الشمس من تحت الأعماق، أمنيته كانت أن يلحق بمنظر مغيب شمس ذلك اليوم – فقد كانت السماء والطبيعة فقط من وقفت بجانبه – وحين تحقق حلمه بأن بلغ سطح المياه، رأى ما يجب أن لا يراه، اِنفتحت عيناه يومئذٍ على حقيقة هذه الفانية،  رأى سمكة تتربع عشه المسلوب في شجرة قرب المستنقع ثم أمعن النظر فوجد صغاره تتخبط دامية في الأسفل، وسمكة أخرى ضاحكة تصور الحدث، لكن ما آلمه أكثر كان صديقه ذاك القلم الخشبي الذي خرج من لب الشجر، ذلك الذي كان يومها يرقص ويدندن فوق رؤوس صغاره المترامية ثم وجهت آلة التصوير نحوه فزاد ذلك من بهجته ثم رقص ورقص ..

وغابت شمس ذلك اليوم والعصفور مستلقٍ بسلام فوق سطح المستنقع أمات قهراً أم أنه نائمٌ ؟ لا ندري ..

لكن حتى أختي قالت لي بعدها ” مسكين ذلك العصفور، كيف له أن يسبح بعد الآن ؟ كيف له أن يعيش؟ ”

هذه هي الحياة – مستنقع و شجرة –

لكن أ تعلمون من هم الأقلام – هم نحن مجدداً – نحن من نكتب ونؤلف ونطبع، نحن من نملأ صفحاتنا ونغازل أحرفا متناسقة، من نسمع صوتنا ليس فوق غصن الشجر على حساب العصافير وإنما بمجموعة سطور ناطقة . لكن لا أدري ما أصاب أغلبنا حتى أصبحنا نرقص ونبتهج ونعلو ثم ندنو لنجر عربة كلماتنا إلى تفاهة الفانية .

حتى أنا أصبحت أرى أن لا معنى لجل تلك الأحاسيس التي دفعتني لأكتب ولا معنى لمعظم تلك الأشياء السخيفة التي شغلت تفكيري، سخيفة هي إذْ ما قورنت بأفكار شخصٍ يعيش هناك داخل المستنقع . كيف أعيش أنا في كامل تلك الرفاهية ولا أحمد الله في الصبح وفي العشي؟ كيف لي أن أتخذ تلك المبادئ المبتذلة في اللبس والأكل و التنزه ؟ بينما هم جل ما يشغل بالهم أبسط ما أملكه. حقاً نحن أغبياء، فغبي كل من شغله الحب والهوى، الكره والحسد، فأكبر الحمقى من كتب عن هجر حبيبته الرابعة، ووفاة قطته المتشردة، وجمال حديقته الباهر، وإحساسه المرهف ومن نظم الأشعار لمدح وطنه الخائن وسادته .. ففِكرنا ذاك الذي ظنناه راقياً، أفكارنا تلك التي حشوناها داخل رؤوسنا الصغيرة ، ثقافاتنا، وكل الكتب التي قرأناها وما نملكه قاطبة سيتهاوى أمام عقول تلك العصافير التي تجردت من كل مبادئ الحياة السخيفة وببساطة تامة سعت وراء الرزق لإطعام عائلتها الضعيفة وفقط .

ربما ستظنون ولو لبرهة أني أود أن أجعل من نفسي كاتبة يوما ما، لكن صدقوني لن أصارع لأكون سمكةً مغردةً ولا قلماً راقصاً ، بل سأبذل جهدي لأصبح سوسنة مزهرة أنمو أسفل تلك الشجرة . فحين يصعد ذاك العصفور إلى الأعلى قد يراني ويرى بعضًا من خير هذه الحياة، ربما قد أكون له آخر أسباب البقاء هناك، سأدعوه يومها ليصبر قليلا حتى أقتلع جذوري من ترابهم الأسود وأصبو نحوه لأساعده .

وإن سارت الأيام ومشى القدر إلى غير هذا الدرب سأصبح يومها كغيري عصفورةً ربما؛لكنني سأصمد ولو بقيت تحت مياه الكدر لسنوات وسأظل صابرة أنتظر ولادة قلم آخر – قلم يبعث في الكتابة روح الحياة – لعل أحدهم يوما يغير مسار ما نعيشه إلى الأحسن ويتوقف عن الرقص أمام الكاميرات .

نحن لا نكتب رجاء شهرة، ولا نكتب لنكتب فقط إنما نكتب لنخلق مجتمعاً راقياً .

أرجوكم فقط يا من تقرؤون لا تكونوا أسماكاً .

فالأسماك ستسقط من الأعلى يوما ما، حينما تدرك أن أكسجين الحياة يقتلها.

رميسة بلمكسان/ بومرداس

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق