إسلاميات

خيركم من تعلم القرآن وعلمه

قال الله تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[سورة هود الآية 13، 14].

فإن قليلا من إعمال الفكر وإجالته في هذه اللفظة (داعية) من شأنه أن يبعث تساؤلا في النفس، ألا وهو: إلى أي شيء يدعو ذلك الموسوم بهذه الصفة التي بُني لفظها بناء المبالغة كما لا يخفى؟!
أقول جوابا على ذلك: إنه يدعو إلى صراط الله المستقيم الذي رسمه لعباده، وأمرهم بسلوكه، وقد وضح معالمه وبين تفاصيله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو القرآن، فهو الصراط المستقيم، وحبل الله المتين الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، من حكم به عدل، ومن قرأه أُجر، ومن عمل به ودعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
وإذا كان الأمر على ما وصفت فإنه ينبغي أن يكون الاشتغال بهذا القرآن في أول سلم “أولويات” الداعية، وفي وسطه ومنتهاه، وذلك بأن يقدم حفظه وتلاوته وتفهمه وتدبره على كثير مما أولع به كثير من الناس مما يسمونه “علما”، وقد يكون باطلا من أصله أو قليل الجدوى والنفع، لا سيما كثير مما ابتلي به الناس في هذه السُنيات الأخيرة، بل إنه مقدم على طلب الحديث وغيره كما قرر ذلك جماعة من الأئمة، كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو الذي عليه العمل لدى السلف الصالح – رضي الله عنهم-، كما أخرج الخطيب في جامعه (1/ 42) عن يحيى بن يمان – رحمه الله- أنه كان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف، وأول الحديد، فإن قرأه حدَّثه.
وكان الأوزاعي -رحمه الله- إذا رأى في مجلسه حدثاً قال: يا غلام قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)النساء: 11، وإن قال: لا، قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم.
والمقصود أن يجمع الداعية همته على تعلم كتاب الله تعالى، فيُقبل عليه برغبة صادقة وحرص أكيد، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) المطففين: 26، فيكون مقتديا بسلفنا الصالح -رضي الله عنهم-، كما حدث محمد بن علي السلمي -رحمه الله- قال: قمت ليلة سحرا لآخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئا، وقال: لم تدركني النوبة إلى العصر.
فإذا تحقق له حفظه وإتقانه جعل بعض اشتغاله في إقرائه وتعليمه؛ ليدخل بذلك في زمرة الأخيار، فيكون قد جمع بين تعلم القرآن وتعليمه، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وبذلك تكون أوقاته معمورة لأجل الأعمال وأرفعها فلا يستخسر وقتا يقضيه في ذلك التعلم والتعليم، والله قد وصف كتابه بأنه (عزيز)، ومن عزته أن لا يبقى في القلوب المعرضة عنه، ومن نظر في أخبار القراء رأى العجب، وقد كان بعضهم يجلس لذلك من بعد صلاة الفجر إلى الظهر، كما في ترجمة مقري دمشق أبي الحسن محمد بن النضر، وغيره كثير كسبيع بن المسلم (ت 508) -رحمهم الله أجمعين-، وكان هذا ديدنهم بلا فتور أو انقطاع حتى إن الواحد منهم ربما أقرأ ستين سنة، كما هو مسطور في تراجم بعضهم كبكار بن أحمد المقري (ت 353)، ومحمد بن أبي المعالي، حتى لقن الأبناء والأحفاد، فكان يتخرج على يد الواحد منهم المئات -بل أكثر- من حفظة كتاب الله تعالى، كما نجد في ترجمة ركن الدين إلياس (ت 673) حيث ختم عليه أكثر من ألف نفس.
كل ذلك يفعله الداعية قربه إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته ورجاء ما عنده دون تطلع إلى ما في أيدي الناس، فيكون بذلك قد تعجل أجره.
وقد دخل سفيان وابن المبارك على أم حسان الكوفية -وكانت ذات اجتهاد وعبادة- فلم يروا في بيتها شيئا سوى قطعة حصير خَلِق، فقال لها الثوري: لو كتبت رقعة إلى بعض أعمامك فيغيروا من سوء حالك؟! فقالت: يا سفيان: قد كنت في عيني أعظم، وفي قلبي أكبر منذ ساعتك هذه، إني ما أسأل الدنيا من يقدر عليها ويملكها ويحكم فيها، فكيف أسأل من لا يقدر عليها ولا يقضي ولا يحكم فيها؟ يا سفيان، والله ما أحب أن يأتي عليَّ وقت وأنا متشاغلة فيه عن الله تعالى بغير الله، فبكى سفيان.
وجاء في ترجمة محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي -الذي أقرأ ستين سنة- أنه كان يُقرئ احتساباً لله تعالى ولا يأخذ من أحد شيئاً، ويأكل من كسب يده.
إذ الشأن كما قال الفضيل -رحمه الله-: ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلق -إلى الخليفة فمن دونه- وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه.
وقد أنكر حذيفة المرعشي على يوسف بن أسباط حيث وضع له بائع اللبن بعض الثمن لكونه من أهل القرآن.
وهكذا يكون صاحب القرآن والداعية إلى الله تعالى مع احتسابه وزهده مدركاً لعظم المسؤولية المنوطة به، وذلك أن حامل القرآن – كما قال الفضيل- حامل راية الإسلام، فلا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو، وإنما يجعل القرآن ربيع قلبه فيتخلق بأخلاقه، فتكون التقوى صفة راسخة له، والورع حاجزاً بينه وبين كل مرذول من الأقوال والأعمال، فيكون مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، غير مشتغل بما لا يعنيه منقياً قلبه من كل دنس؛ ليكون محلا صالحا لفهم القرآن.
وقد قال شيخ الإسلام وغيره تعليقا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة))، وكذلك القلوب إذا كانت تحمل أخلاق الكلاب فإن الملائكة لا تدخلها بالمعاني الطيبة.
وبالجملة فإن الداعية إلى الصراط المستقيم إنما يكون خلقه القرآن، فيظهر ذلك في حاله مع نفسه، ومع ربه، ومع إخوانه المؤمنين.

د. خالد بن عثمان

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق