مواسم البوح

داخل المدرسة وفجأة

قصة

إهداء إلى روح أبي الطاهرة

خيم الصمت المخيف، وتبدلت الأرض من غطائها المعتاد، وليس معي في أنسة ليلي هذا، غير أفكاري البالية، والتي لا زالت لا تغادر ناظري، والقليل من الخوف يرتاد أنحاء بدني، ويتملك جزءا من روحي، وصورة قديمة ملتقطة في زمن البانوراما بالأسود والأبيض خلال فترة من زمن الشغف التقطها لي “شربول الوعيل” على ما أظنّ كنت حينها صغيرا لكن أمي حدثتني عنه، أو ابن الحاجة فطوم الله يرحمها والتي كنت أتباها بها بين أقراني والعائلة، لكني لم أعد أملك مثلها ولا أجد الجديد في طلب حلاوتها مرة أخرى، حسنا لنمضي قدما، كنت أتخيل الأشياء وأرسم ملامحها بعد أن اتقنت الرسم بأول قلم أهدته إلي أمي ..”كريـــــــــو” كما يقال بالعامية المفرنسة حينها لكنه جميل.

كانت قد ابتاعته من دكان بجواري المنزل، أو ربما طلبته من أحد المعارف لنا، لا يهم مادام هي التي اختارته لن أناقش كيف ولماذا؟، تمرنت جيدا على رسم أول الخطوط مرة على الكراس ومرة أخرى على الحائط  أو باب” القاراج ” إنها أول اللحظات لوضع  النقاط والخطوط كنت جيد حينها .

وكان أول ما رسمته لوحة، زهية الألوان بهية الطلعة كنت أراقبها  كل مرة حتى أصابتني النرجّسية، بالكاد أنهيها حتى يطلب مني أخذها، الأخ والأخت والجار وحتى زملائي في المدرسة كنت أظن أن الرسم ومداعبة الريشة والسفر مع ألوان الطيف ستنالني السعادة بها وبين نتوشها، وسيوفر لي الشهرة في المدرسة وفي المدينة ؟أجل كنت حلم للمس الحقيقة، وهذا طموحي ومن الطبيعة البشرية في الكون، لكنه حلم نبيل ومشروع.

مرت السنوات والأخرى، وتلك اللوحات تزداد تنوعا، وكنت أشارك في أي مناسبة تدعو للرسم أو حتى يكتب عنه، كنت أتابع أسبوعيا فترة لرسام انجليزي وأتعلم منه، وكان يبث عبر القناة .

لكن لا اخفي عنكم بأني كنت أتأخر قليلا عن الصف لإكمال الحلقة، لقد كان الرسم عالمي وملجأ لي وللحياة وحبها، وهكذا استمرت حياتي أرسم وأشجع، وأعالج به مشاكل الناس والجيران وحتى الحيوانات كنت أحبه للنشوة، وكانوا يلقبونني بالرسام… لقب كنت أتفاخر به… أصدقكم القول أنه أول ألقابي في الحياة  …وبعدة فترة من الزمن أدركت أني كنت أتخيل الأشياء فقط وليست على حقيقتها لأعيشها بعقلي وبقلبي، كم بكيت بعدها .وبكيت…ألفّت من خلال الرسم قصة عن النمل ببيتنا وأنهيتها في صفحات من كراس صغير، أذكر ذلك جيدا ،لأجد عالمي هذا قد تغير ؟ كمن شكل مجسم جميل من عجين أو طين ثم راح يداعبه فجأة يدوس عليه أحدهم، أصابني الاحباط وشيئا من الانتكاسة والغريزة، تذكرت أبي وعمله وتعبه في سبيل تقديم لنا الحياة المثيلة وهو يعان ويقاسي خارج المنزل ولا يعود الا بالأشهر .ونحن مجتمعون في البيت نتسامر ونتثاقل إلى فراش النوم وكلنا شغف بما يقدمه لنا من تسير هذه الحياة.

أدركت بعدها أن الرسم لا شيء، (بييف )كان كل من يطلب مني أن أرسم له كنت أعاتبه: “لا أريد الرسم رجاء، هيا عني:.. وأرده خائبا منكسر الجناحين.

إنها قسوة لم أعدها سابقا في حياتي  تمنيت لو كنت مثل أبي، تمنيت أن أكون لوحة من جسده الطيب أو إحدى أنامله الخشنة، فليحفظه الله ويرعاه، وسرعان ما قمت بتمزيق كل اللوحات لأني لم أتذكر من أنا؟ وكلما خلدت للنوم أتذكره هل هو بخير؟ هل أكل جيدا؟ ترى ماذا يفعل ازاء جنح الليل هذا؟ كل فترة أمر بها تزداد كأبتي بالكاد لا تفارقني، أنام ادرس أكل ألعب ماذا بعدا؟ وقد تخليت عن حلم من أحلامي؟.

تذكرت الألوان وقلم الرصاص وعشق الطفولة والهامي بين أحبتي، هذه الصورة غادرتني وكأني لم ألمس إلا وهم سرعان ما توارى عني.

هجرت الرسم، وارتحل قلبي إلى أبي متناسيا كل تلك السعادة التي الهمتني، لأتذكر السند والصمان والأمان أبي، الأشياء المزعجة عادت لا تذمرني بالمرة.

الاحلام بعض الأحيان جاحفة في حق طفولتنا ترفضنا ونحن تطفلنا عليها وعلى أبجدياتها أوهمتنا بالسخافات، ولا يحق لنا أن نكون ضمن صفقاتها.

عدت كسابق عهدي عمر فقط، بيكاسو، دافنتشي، السلفادور دالي، كلهم صنعوا الشهرة ولكن لن ينعموا بها لأنهم لم يعيشوا البساطة وحياتهم الطبيعية، فالشهرة قتلتهم، فمن له أحلام لا يحبها قلبه ويرتاح لها الهامه أرجوا أن يعزف عنها، أو يتخذ من غيرها خليلا…….

شنقاش/ الجلفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق