مواسم البوح

دكّانُ الذّكرياتْ

قصة

في حارتِنا يقعُ دكّانُ العمِّ مسعودْ، وهو دكّانٌ نظيفٌ وجميلٌ رغمَ صغرِ حجمِهِ؛ يبيعُ العمُّ مسعودْ في دكّانِ بقالتِهِ التّوابلَ والدّقيقَ، والسّكّرَ والملحَ، وأشياءَ أخرى كثيرةً بالإضافةِ إلى الأشياءِ التي يحبُّها الأطفالُ: حلوى من كلِّ الأنواعِ، سكاكرٌ من كلِّ الأصنافِ والألوانِ، شوكولاتةٌ، قصصٌ ومجلّاتٌ ملوّنةٌ وبالوناتٌ جميلةٌ؛ العمُّ مسعود كبيرُ السِّنِّ، أشيبُ الشَّعرِ، ويلبسُ نظّاراتٍ لأنَّ بصرَهُ ضعيفٌ، وهو طيّبٌ وحنونٌ جدّا، ويحبُّ الأطفالَ كثيرا.

ذاتَ مرّةٍ ذهبتُ لأشتريَ من عندِهِ رطلَ سكّرٍ، ولمّا كنتُ في طريقِ العودةِ إلى المنزلِ قمتُ بحسابِ الفكّةِ، فوجدتُ أنّه زادَني خمسةَ دنانيرَ، فعدتُ مسرعا إليهِ، أعدتُ له الخمسةَ دنانيرَ بعد أنْ نبّهتُهُ إلى الخطأ، مسحَ على رأسي بكلِّ رقّةٍ وحنانٍ، ثمَّ قالَ: لا بدَّ أنّكَ جيّدٌ في الحسابِ، باركَ اللهُ فيكَ، ثمَّ أمسكَ بيدِهِ حفنةً من الحلوى، وأعطاني إيّاها وهو يبتسمُ، شعرتُ بالفرحِ لأنّني قمتُ بالفعلِ الصّواب.

في إحدى المرّاتِ، طلبَتْ منّي أمّي أنْ أشتريَ بيضا وكيسَ دقيقٍ، وعندَ العمِّ مسعود هممتُ بوضعِ كيسِ الدّقيقَ فوقَ علبةِ البيضِ داخلَ الكيسِ القماشيِّ المزركشِ، ولكنّ العمَّ مسعود نبّهني قائلا: لا، يا ولدي، انتبهْ. الدّقيقُ أثقلُ وزنا من البيضِ وسيكسرُهُ. ضعْ كيسَ البيضِ فوقَ كيسِ الدّقيقِ؛ فعلتُ كما أخبرَني العمُّ مسعود، شكرْتُهُ وعدتُ إلى المنزلِ.

وفي مرّةٍ أخرى، ذهبْتُ لأشتريَ من العمِّ مسعود قارورةَ زيتٍ. كانتْ قواريرُ الزّيتِ مصفوفةً على رفٍّ عالٍ لا يطالُهُ العمُّ مسعود إلّا بعدَ أنْ يصعدَ على كرسيٍّ خشبيٍّ. وبينما العمُّ مسعود يحاولُ الوصولَ إلى قارورةِ زيتٍ، اهتزَّ الكرسيُّ؛ فأمسَكْتُهُ بيديَّ الاثنتين حتّى لا يسقطَ العمُّ مسعود. نزلَ العمُّ مسعود من على الكرسيِّ، سلّمني قارورةَ الزّيتِ مبتسما، وقالَ: شكرا يا ولدي، لكَ عندي هديّةٌ.

فكّرْتُ أنّ العمَّ مسعود سيعطيني حلوى أو شوكولاتة، لكنّه أدخلَ يدَهُ في علبةٍ مليئةٍ بالبالوناتِ غيرِ المنفوخةِ وأعطاني بعضا منها، فرِحْتُ كثيرا وشكرتُهُ، مسحَ العمُّ مسعود على رأسي، وقالَ: أنتَ ولدٌ طيّبٌ، وتستحقُّ هذا يا ولدي.

بعد أنْ عدتُ إلى المنزلِ، وسلّمتُ قارورةَ الزّيتِ لأمّي، خرجتُ إلى الشّارعِ، ثمَّ نفختُ البوالينَ بالونا بعد بالونٍ، وأنا أفكّرُ كم من الذّكرياتِ لديَّ مع العمِّ مسعود.

بالونٌ أزرقُ، بالونٌ أحمرُ، بالونٌ أصفرُ، بالون أخضرُ، يا لَفرحتي! كأنّني أمسكُ قوسَ قزحٍ بين يديَّ!

حسان زموري/ الجزائر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.