ثقافة

رؤية من زاوية مقفلة: الحراك وخريف الفن

يعتز المقيمون على ناطحات الفن بمتخيلهم وبتعدد الفروع التي ينتسبون إليه أن يحتفوا بأنفسهم ضمن الهياكل التي تقوم على تنظيم أجواء مثالية وحتى بسيطة من أجل تقديم مختلف عروضهم التي تندرج داخل كينونة الجديد وخلق الدهشة والاستثمار والإعمال بالعقل البشري على الأقل لتطويره فنيا، يحدث ذلك أيضا في عز  الشلل الذي ما فتأ وأن تبناه بدون قصد أو بقصد مسيرة الحراك الشعبي والذي أصبح الكل يوجه اهماله لتقديم مثل هذه النشاطات الفنية إليه، بل وأضحى الجميع يلقي اتهماته وانكساراته للحراك، آملين في أن يقدم ما بعد الحراك الجديد المنتظر خاصة ما تعلق بالدعم المادي.

باتنة التي لا يزال شبح أحلامها يطاردها رغم عديد الهياكل الثقافية البارزة فيها، وما يربو عن ألاف الجمعيات الناشطة فيها سواء ما تعلق بالمسرح أو الكتابة أو الموسيقي وأخرى تنعى بالتراث والسياحة والعادات والتقاليد، ويحظرني أن الجميع “سكارى وما هم بسكارى”، ولعل الانتظار هو العلامة الفاصلة التي تجعل من حامل الفن يحيي أماله بعد موتها، فالحراك كما يتوهمون جعل من الخزان المادي يوقف سيولته وبالتالي الدخول إلى سبات ثقافي شتوي في عز خريفه، يحدث ذلك أما تواطأ الأشغال والأنشطة التي ما عادت تهدي المدينة فنا، وما عاد القائمون عليها يعملون على تبني مخطط جديد يحفظ ماء وجه الثقافة في عمق الأوراس.

ولعل ما سيثر عديد الأفكار التي تأخذ إلى أخرى، هو الفعل الثقافي كبؤرة قلق لدى العديد ممن يمارسونه، فلا المسارح أبانت على ركحها، ولا دور الثقافة أزاحت ستارها، ولا المكاتب والجامعات والملتقيات أتت بثمارها العلمية الممنهجة، ولا المهتم أصبح في خانة الانتظار، هنالك فوضى غير مسبوقة تحيل إلى كسر جدار التوهم على أن ذلك مرتبط بالحراك، وعلى اعتقادي أن الحراك لا يمنع من مزاولة هكذا أنشطة والمطالب مشروعة وواضحة وضوح هذه الأسطر، ولعل ما يؤزم المسألة أكثر عدم وجود رغبة كفيلة في ايقاظ عملاق الثقافة النائم، وأن يشارك هو الآخر في الحراك الثقافي إلى جانب التطلعات في ايجاد حل بديل للأزمة المالية، وأقصد بذلك تدخل رجالات الأعمال في تبني مشاريع ومهرجانات شبانية تعيد المدينة إلى الواجهة ثقافيا وفنيا.

وغير ذلك لا تزال المدينة التي يسكنها الفن بمختلف أوجهه وبمتعة الدهشة التي يخلقها نائما في حضنها، دونما أي رد فعل طبيعة للاستيقاظ حيث تبزغ شمس الفعاليات داخلها، ولعل من الصعب جدا ايجاد متلق ذو سلطة واعية في جلب الصخب للفعل الثقافي، صخب يمحو عنها الأجواء الرتيبة التي ما عادت باتنة تطيقها، نريدها بواجهتها الفنية أيضا كما سبق وأن حدث، حيث لا تغفو أعين الفن أبدا.

رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق