العمود

رؤية من زاوية مقفلة: “وليمة” كتاب لم يُلبي دعوتها المعازيم

“بالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن، تصبح الكتابة مكاناً له ليعيش فيه” هذا ما قاله الكاتب ثيودور أدورنو وهو يصف حالة الانتماء التي نعبرها ونحن في ضيافة الكتاب، ونحن في اليوم العالمي للكتاب المصادف لـ 23 من أفريل، يحدث أن يكون للقلم محطات مختلفة من الحدود الجغرافية والتاريخية التي تصبغ بالفكر على مدى السنوات التي يقضيها أحدهم ما في حانة “القراءة”، أليس من المبجل جدا أن تجد صديقا وفيا كل ما يريده أن تنصت له بعمق ليأخذك عبر رحلة من الخيال والأحداث المنهمرة والمنهكة والسعيدة كما الحزينة بمزيج مختلط من التفاعلات الصاخبة وأنت تقرأ بصمت؟.

أعتقد أن ما يجري حولنا من حالات انجاب الكتب باتت ولادة قيصرية وليست طبيعية، فالكل أصبح بفعل الوحم كاتبا ويبدأ في سن أفكاره وقوانينه الخاصة عبر الكائن الورقي، وليس بالبعيد أن نجد أن اصدار كتاب أولي له يجعله يتمادى في كونه يتسلق سلم “الكفاية”، دعوني أوضح الفكرة أكثر، أرى أنه من المخجل جدا أن نجد كاتبا يكتب من أجل الكتابة دونما أن يستدير حوله وأمامه وبجنيه ويرى العالم وتناقضاته المختلفة، وأن لا يصل حجم تفكيره مكتبه والغرفة التي تحيطه لوحده، على يقين تام أن المسألة معقدة أكثر من ذلك، وهو قول لا بد منه إن كنا نقوم وباستمرار بتطعيم نفس الفكرة في مختلف الكتابات ونتناسى التجديد في كل مرة نحاول أن نكتب فيها، ونحن نحمل طرف الخيط كفكرة مباغتة لنقول: “واو، هذا ما كنت ابحث عنه، هذا ما رغبت حقا في كتابته، هذا هو الموضوع بالذات”، وعلى أساس أن الفكرة تنطلق من هذا المنطق، إلا أنها في الأخير تحتاج من يقوم بالعناية بها ورعايتها حتى يكتمل نضجها، ولا أدري لما يأخذني تصوري إلى امعان النظر في طريقة نمو النبات، هكذا ينمو الكتاب، بالعديد من الخطوات التي تسمح له في الأخير أن ينضج، لا أن يحترق.

عادة ما كنت أدخل المكتبات المتواجدة في محيطي الصغير، وعلى الرغم من ضخامتها وشساعتها، لا يزال الغبار يعتريها، كمن انطفأ ضوئها فجأة بعد أن صفت في مكان ما عاد يليق بها، أليس من الاجدر لو تم فتحها وتركها تنساب في الهواء حتى لا تختنق بأنفاسها المنهكة من التعب وهي تنتظر أحد ما ليلقي “التحية عليها”، من المخجل جدا ومن المعيب أن تبقى رفوف المكتبات معطلة في وقت لا تزال كملة “اقرأ” الرصيد المعرفي لتتطور الأمم، ولعل الكثيرين ممن يعتبرون هذا الكلام هراء بفضل التكنولوجيا، ولكن الحقيقة صريحة وواضحة لدرجة أن لا أحد بات ينكرها بل يستغفلها إن صح التعبير، دونما أن نقلل من شأن أنانية الكتاب في عدم حضور مناسبات وتظاهرات خاصة بالكتاب، فتصبح القاعات فارغة والرفوف ممتلئة ولا أحد يقرأ أو ينصت أو يهتم، موقف تعسفي أن تدعا الى وليمة كتاب ولا تجد معازيمها، أن تعمل على جلب معارف وأفكار جديدة، لكن من يهتم عندما تختزل حضارة الكتاب في رفوف معطلة؟.

 

رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق