ثقافة

رئيس هيئة الشّارقة للكتاب أحمد ركّاض العامري لـ”الأوراس نيوز”: “علينا أن ندحض الصّورة الجاهزة للعرب والمسلمين بالإشعاع الثّقافي” 

 

الشارقة: عبد الرزاق بوكبة

 

تراه يطوف في أروقة معرض الشّارقة الدّوليّ القرائيّ للطّفل، الذّي يعدّ الأوّل عربيّا،  ومعرض الشّارقة الدّولي للكتاب، الذّي يعدّ الثالث عالميّا، كما يدير هيئة الشارقة للكتاب ومدينة الشارقة للنشر، التّي تعد أكبر منطقة حرّة للكتاب في العالم، في مساحة مقدّرة بمئة ألف كيلومتر مربّع، ومجهزة بأرقى التقنيات، التي يحتاجها اقتصاد المعرفة، كما يطوف الأب على غرف أولاده ليتفقد شؤونها. “إنّه الحبّ الذي ما زال من عمل ما إلّا طلع ناقصا ومختلّا” كمال قال لي.

مع كلّ هذه الانشغالات، يمنح الأستاذ أحمد ركّاض العامري زائره من وقته واهتمامه وابتساماته، ما يجعله يأخذ راحته في حضرته، التّي لا تتضمّن هاجسا غير هاجس صناعة الكتاب وتسويقه وترجمته وجعله ثقافة عامّة في حياة النّاس. هنا حوار معه:

كيف استطاعت إمارة الشّارقة أن تكرّس نفسها في الأذهان على أنها مدينة ثقافيّة، في نسيج خليجيّ يرتبط في الأذهان باقتصاد النفط والخدمات؟

لا يمكن لأيّ سياسة ثقافيّة أن تنجح وتتكرّس وتؤتي ثمارها فقط لأنّها جيّدة وجادّة. إذ لا بدّ لها من إرادة سياسيّة تؤمن بها وتعمل على  جعلها حقيقة في الميدان. هل ينفعنا الكتاب الجيّد إذا لم تتوفّر لنا إرادة وشغف أن نقرأه؟ سيظلّ طاقة معطّلة في الرفوف، وقد يصيبه أحد عوارض التّلف. من هذه القناعة استمدّت السّياسة الثقافيّة للشّارقة نجاعتها وميدانيتها من إيمان حاكمها بها سموّ الشّيخ الدّكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى. فهو كاتب وقارئ أولا ومحبّ للفعل الثقافي ولأهله ثانيا، ولطالما كان يقول إنّ بناء الجدران قبل بناء الإنسان ضرب من ضروب تبديد الوقت والمال والطاقات. فحدث أن جعل من الاستثمار الثقافيّ رهانه الخاص، وهو الرهان الذي آمن به محيطه في الإمارة، فباتت عاصمة ثقافية عالمية، ليس موسميا فقط، بل على مدار الساعة واليوم والأسبوع والشهر والعام.

وهذا يقتضي أموالا طائلة. هل ساعدكم توفّر المال على تحقيق هذا الرهان؟

لو كان المال هو كلّ ما يُطلب لتحقيق سياسة ثقافيّة كبيرة، لاستطاعت دول كثيرة في القارّات الخمس تملك المال أكثر منا أن تكون مصدر إشعاع ثقافيّ. أصلا ترشيد المال وإنفاقه في أوجه الاستثمار الحقيقي الذي يهدف إلى بناء إنسان متوازن ومثمر وفاعل ومتفاعل وحضاري وجه من أوجه الثقافة. هنا دعني أخبرك بأننا في الشارقة لا ننشط ثقافيّا فقط ليقال عنّا إننا ننشط، بل نحن ننشط لتصبح الثقافة أفعالا في السلوك والتفكير والمعيش. وقد جعلنا الاهتمام بالكتاب وفعل القراءة في مقدّمة تحقيق مشروعنا الثقافي.

حدّثنا عن إنجازاتكم في باب الكتاب.

لقد وضعنا نصب أعينا هدفا بسيطا لكنه مثمر هو أن يتصالح الإنسان مواطنا كان أم مقيما، إذ نرى المقيم شريكا في الفضاء والعطاء، مع فعل القراءة، فيجعله ضمن دائرة شغفه اليوميّ، تماما مثل الأفعال الحميمة الأخرى، مثل الأكل والشّرب والنّوم. أي أن يصبح فعل القراءة ضمن قائمة الأفعال التي لا يستغني عنها، ويعتمد عليها في اكتساب خبراته ومعارفه وأفكاره، التي تجعله يتعاطى بإيجابية مع الحياة المعاصرة، إذ ليس منطقيا أن نربطه مباشرة بهذه الحياة، من غير تأهيله ثقافيا وعلميا وذوقيا، وهذه مهمات يتكفل بها الكتاب.

فخصصنا للأطفال مهرجان الشارقة القرائي، الذي لا يوجد له مثيل في الوطن العربي، وفق رؤية تقوم على الوصول إلى طفل متوازن ومتفتح وحضاري ومتشبع بقيمه العربية بالموازاة مع تشبعه بالقيم الإنسانية، فيما خصّص للكبار معرض الشارقة للكتاب منذ عام 1982، الذي صنّف الثالث عالميا من حيث المصداقية وقوة التأثير، وفق رؤية تقوم على الوصول إلى إنسان يؤمن ويمارس قيم الحوار والاختلاف. فقد بات المعرض عرسا عالميا للثقافات والديانات واللغات والفلسفات والأفكار، التي تنبذ العنف والتفرقة والتمييز العنصري والثقافي والدّيني في العالم.

من هنا جاء مشروع مدينة الشارقة للنشر، الذي يعد الأكبر عالميّا، بمرسوم أميريّ عام 2017، لتحقيق جملة من الأهداف منها تكريس ثقافة الاستثمار في صناعة الكتاب، وخلق قنوات تبادل وحوار بين الثقافات في القارات الخمس، وكسر الصورة النمطية والجاهزة عن العرب والمسلمين في المخيال الغربي، والعمل على أن نستبدلها بصورة مشرقة وحضارية، من خلال الإشعاع الثقافي.

هل بدأتم تجنون بعض ثمار ذلك؟

قبل أيام في إيطاليا نظّم معرض للآداب العربيّة والكتاب العربي، حيث وقفنا على أن 800 طالب إيطالي يترنّمون باللغة العربيّة. كما وقفنا في كل معارض الكتاب، التي تمت استضافة معرض الشارقة فيها ضيف شرف على إقبال الكثيرين على التعرّف إلى ملامح الثقافة العربية المشرقة، بما جعلهم يراجعون أحكامهم المسبقة عنها. هنا علينا الانتباه إلى أنّ العنف والإرهاب ليسا ميزة خاصة بالمسلمين فقط، بل بكلّ الأجناس، وعلى الحكماء والعقلاء والمستنيرين والمفكرين والمثقفين منها أن يتكاتفوا لنشر قيم الحوار والأنوار، من خلال التبادل الثقافي. وهذا ما نولي له اهتماما كبيرا في الشّارقة.

هل تملكون استعدادا لعقد شراكات في مجال الكتاب مع الجزائر إذا وجدتم واجهات ترحب بذلك؟

نكنّ للجزائر في وجداننا كثيرا من المحبة والاعتزز. ولطالما حرص سموّ الحاكم الشيخ الدّكتور سلطان بن محمد القاسمي شخصيا على أن يكون للثقافة الجزائرية ووجوهها الوازنة حضور في فعالياتنا المختلفة. وإننا في هيئة الشارقة للكتاب نرحّب بكلّ مبادرة تعاون وشراكة وتبادل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق