روبورتاجات

رجل الإطفاء الذي يخمد “نار الفتنة” ويرسخ ثقافة الحوار

الجماعة أو "الصلاح" في الأعراش الأوراسية...

من العادات والأعراف التي ظلت تفرض وجودها في زمن سيطرت فيه الرقمنة على العقول البشرية، وتحكمت التكنولوجيا في العلاقات الاجتماعية وتمكنت مواقع التواصل الاجتماعي من خلق فتن وتمرير أخرى بسلاسة ودون حسيب أو رقيب، أين اعتبرت الأعراش الاوراسية “الصلاح” أو “الجماعة” أهم إجراء ردعي وأحد الميكانيزمات التقليدية التي تمنع الفتنة من مواصلة التوغل بين الناس ووسط المجتمع، وخاصة إذا تعلق الأمر بالقضايا الجنائية التي يمكنها أن ترخي بضلالها على المجتمع وتتسبب إرهاصاتها في زعزعة أمنه واستقراره بخلق عداوة بين الأعراش والفصائل تحت راية الانتقام.

“الصلاح” إجراء اجتماعي “تلقائي” يعقب كل صراع أو جريمة:
تعطى إشارة تطبيق “الصلاح” كلما تفجرت قضية معينة تسببت بها حادثة ما المتورط فيها احد أبناء عرش من العروش تعلقت بمشكلة أو جريمة أو صراع بين طرفين أو عدة أطراف، ليتدخل هذا الإجراء أو العرف المتمثل في جمع كبار “العرش” أو الأعيان تحت سقف واحد وببيت احد أطراف القضية، أو المسجد لفتح باب الحوار حول موضوع الصراع وطرق معاقبة الجاني وكذا ردع المجني عليه آو الضحية من الانتقام، بهدف منع توسع نطاق المشكلة التي قد تتعدى الشخصين إلى العرشين أو المدينتين أو أكثر من ذلك، وبالتالي سيكون أشبه بالسياسة التي تحاول من خلالها الأعراش الاوراسية إطفاء نار الفتنة ومنع هذه الأخيرة من التفشي بين الناس من باب الانتقام لابن العرش أو “ابن النقمة” وفعلا كان لمثل هذه الاجتماعات والحوارات الإصلاحية دورا فعالا في السيطرة على الأجيال المتعاقبة وفرض كلمة كبار العرش والأعيان حتى في أصعب الظروف.
الصورة المرفقة لمكان ببلدية جلال جنوب ولاية خنشلة يطلق عليه اسم الجماعة كان شاهدا على مجالس الصلح في عهد الاستعمار:

أوراسيون يحتكمون إلى “الصلاح” أكثر القانون
كبار العرش أو الأعيان في المجتمع الأوراسي يمثلون القوة الردعية للرغبة في الانتقام على خلفية الصراعات والخصومات، والضمان الاجتماعي لإيقاف حالات العنف كالصراع بسبب الأراضي الفلاحية والعقارات وحوادث المرور والقتل الخطـأ وحتى السرقة والاعتداء على الأشخاص، وحسب السيد رشيد .ب احد كهول بلدية قايس بولاية خنشلة غربا فالجماعة التي يطلق عليها “الصلح” أو باللهجة العامية “الصلاح” تعد أهم ركيزة لإعادة الاعتبار للعلاقات المتصدعة بسبب بعض القضايا والخلافات، وهو العرف الذي مازال ساري المفعول بهده الولاية الأوراسية الأمازيغية منذ عقود من الزمن ليحافظ على فاعليته بشكل واضح خاصة انه يفتح باب الحوار بين المتخاصمين لتوضيح نقاط الاختلاف وتوجيه النصائح وتطبيق أحكام عرفية على المذنبين وسط تفاهم جماعي، يفرضه كبار العرش الذين تكون لهم كلمتهم الأولى والأخيرة للتمكن من تطويق الصراع ومنعه من التحول إلى فتنة اجتماعية، وهو ما دفع بالعديد من سكان منطقة الاوراس بشكل خاص إلى الاحتكام للجماعة أو “عقد الصلاح” من اجل حل المشاكل وإعادة الاعتبار للعلاقات، وإخماد نار الصراعات وفعلا كانت له نتيجة ايجابية في ذلك والسبب حسب ذات المتحدث ترسيخ ثقافة الحوار بين جميع الأطراف، ولعله خير مثال على نجاح أسلوب الحوار في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وقد تمكنت الجماعة من حل عديد المشكلات وتطويقها وإخماد نار الفتن بعديد المناطق مثلما حدث مؤخرا ببلدية عين الطويلة أين تم عقد “جماعات” ومجالس “صلح” بشان قضية حادث مرور تسبب فيه شابان على متن دراجتين ناريتين انتهت “بالسماح”، وكذا إعادة ربط علاقة بين عرشين متصارعين بسبب قطعة ارض فلاحية لتحل السكينة بين الأفراد وسط استحسان كبير بين الجموع علما أن هذا الصراع كان قد تحول من خلاف واختلاف على ملكية الأرض إلى عنف و تهديدات بالقتل. مع العلم أن مثل هذه القضايا تأخذ مجراها بأروقة العدالة بصورة طبيعية بغض النظر عن القرار الذي وصلت إليه الجماعة وبغض النظر عن حكمها والغرض من ذلك كما ذكرنا تطويق الصراع ومنع الفتنة من التوغل بين الناس، وخاصة في قضايا القتل أين تظهر مواقف التهديد بالقتل والانتقام لتزيد الأمور تعقدا بين العائلات وكذا الاعراش ككل.

الحوار هو الأساس…. و”رجل الصلح” سيد الموقف
تعتمد الجماعة بالدرجة الأولى على الحوار للوصول إلى حل يرضي كافة الأطراف ويرسي السكينة بقلوب الحاضرين، كما يرسخ لثقافة وعرف “الصلح” حتى لا يفقد قيمته وأهميته وسط “الاعراش” لتمنح الفرصة لكل المتناحرين من اجل التكلم والإفصاح عن أسباب الصراع والاختلاف، فيتم وضع النقاط على الحروف ووضع اليد على مواطن الاختلاف وتحديد المتضرر في القضية لرفع الغبن عنه بعد تشاور وتحاور عميقين، وقد تأخذ الجماعة وقتا طويلا وقد تتم على جلسات عديدة حتى تكون كل الأطراف متراضية، فيتم عقد اتفاق ميثاقه الكلمة للكبار، وهنا يتدخل عنصر “رجل الصلح” الذي يسير الجماعة والجلسة ويفتح باب الحوار وسط احترام متبادل، ويكون في غالب الأحيان إمام المنطقة أو كبير العرش شرط أن يتميز بالحكمة والرزانة في اتخاذ القرارات وتسيير العلاقات، ففي عاصمة ولاية خنشلة مثلا يعد الإمام شرمسال مسعود بمسجد عبد الحميد ابن باديس احد رجال الصلح، الذين يحتكم إليهم ويعتمد عليهم في تسيير وتفعيل “الصلاح”.

الامام شرمسال مسعود والشيخ عمار تمرابط من رجال الصلح
“الخطية” ضريبة “الغلط” وإحدى ضمانات ردع الصلح

يطلق على المبلغ المالي الذي يدفع كضريبة عن الخطأ أو الذنب المرتكب مصطلح “الخَطِيَّة” فيقال “خَطِيو فلان” وهي مشتقة من الخطأ، يتم دفعه من طرف المذنب وعائلته وعرشه إن كان الأمر متعلقا بالقتل والدية، ويعد إحدى الضمانات الرادعة للانتقام من جهة كما أن في دفعه اعترافا بالخطأ ورغبة في عقد الصلح والخروج من القضية بتراض بين الأطراف، وان كانت النفوس غير راضية فيكفي أن “الخطية” تمنع نشوب صراعات كبيرة تتحول إلى فتنة مهلكة بين “الألقاب” أو “العروش”، بعد تحديدها من طرف رجل الصلح وبالتحاور مع كبار العرش فيما يعتبر القرار رسميا تحت سلطة “الأعيان” ليمتنع كل من سولت له نفسه بتوسيع نطاق الصراع والانتقام عن هذا الفعل بحكم تقدير “كلمة الكبار” وتقديس الحكم الجماعي والصلح الذي أقرته الجماعة.

الصلاح منهج تقليدي يهدف لترسيخ ثقافة الحوار “العصري”
وان كان “الصلاح” احد الأعراف القديمة والعادات والمناهج التقليدية فقد اثبت حتى في عصرنا الحالي ووسط تحديات عصرية كبيرة نجاعته وقدرته على ترسيخ ثقافة الحوار لما فيها من مزايا وفضائل قد تغيب عن القوانين والتشريعات الحديثة، لأنه يفرض قوانينه وأحكامه بلا سلاح ولا سجون ولا حتى وثائق رسمية لتضل كلمة “الكبار” أو الأعيان ورجل الصلح الورقة المقدسة التي سيمتنع الجميع عن تخطيها أو كسر ما جاء فيها، لأنهم على علم بنية “الجماعة” ونية الصلح وفرض الاستقرار فرضا على الجميع لتخطي المشكلات المعقدة منها والبسيطة التي يمكن أن تتعقد بفعل التهور الشباني مثلا، أو تغييب الشكاوى والقانون الذي ظل محافظا على مكانته وسط “الجماعة”، علما أن هذه الأخيرة تأخذ بكتاب الله وسنة نبيه ولا تتجاوزها وخاصة أن أكثر جلسات الصلح يتم عقدها في بيوت الرحمن ويكون الإمام فيها رجل الصلح، والهدف دائما إخماد نار الفتنة وتطويق الصراعات إلى أن تأخذ العدالة مجراها فيما يخص القضايا الجنائية، وهو كفيل بالحفاظ على استقرار وأمن العائلات وتعزيز العلاقات وحماية الأبناء من شرور الانتقام، مثلما أكدت الأستاذة عيواج.ب من اعرق عروش الرميلة وهو عرش “أولاد سعيد” العريق معتبرة هذا الإجراء “سياسة حكيمة فرضت نفسها منذ الأزل وحافظت على وجودها للحفاظ على العلاقات ولإرساء سفن السلام بين المجتمعات، وكثيرا ما اثبت نجاعته وقدرته الفائقة على امتصاص غضب الغاضبين وتهذيب نفوس المخطئين، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة ولا تتمكن الفتنة من التوغل بين الناس”.

“العشاء”…. وثيقة رسمية لقبول “الصلح” بحكم “مشاركة الملح”
تنتهي القضايا الشائكة وبعد نجاح عملية الصلاح في غالب الأحيان بوليمة عشاء تجمع بين الأطراف المتصارعة تحت سقف واحد وبحضور المصلحين وكبار العرش، وسط تراض وقبول واضح لا يختلف فيه اثنان ويمكن أن نعتبره الوثيقة الرسمية لقبول الصلح الضامن فيها “الملح المشترك” بحكم أن الاعراش الاوراسية تقدس هذه الشراكة بالذات وكثيرا ما يردد الواحد منهم “جمعنا الملح” إذ تعتبر خيانة القرارات والأحكام والعلاقات بعد تشارك الملح جرما عظيما، ما زاد من قوة وأهمية “العشاء” الذي يختم عملية الصلح وقرار “الجماعة”.
روبورتاج: نوارة بوبير

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق