العمود

رحل القائد

وجب الكلام

وصلتني مكالمة هاتفية قال لي صاحبها “سقوجلينانغ آولد عمي”، بمعنى “تيتمنا”، فشعرت وكأنه طعنني، شعرت وكأن شيئا خطف منا ونحن أهله، ونحن أولى الناس به، شعرت في لحظة وكأن هناك من لعب علينا، لكنني سرعان ما تداركت نفسي وأدركت أن الأمر لا يتعدى كونه قضاء وقدر، ورغم ذلك فلم يعد لعميق حزننا قرار، فقد غادرنا القائد وابن الأحرار، غادرنا إلى جوار الأبرار بإذن الله.
يقال في لهجتنا “السبع سبع حتى يموت وهو يخلع” ونحن نشهد بأن الجزائر قد فقدت “رجلا” عاش سبعا ومات سبعا، فقدت رجلا عاهد الشعب وكان عند وعده، رجلا من طينة العظماء، رجلا فرض السلم على من يبغي العنف، رجلا فرض الوحدة الوطنية على من يبغي سوء بالجزائر، رجلا فرض منطق الدولة والدستور على من يبغي منطق الغاب، رجلا فرض هيبة الجزائر على من يترصدها في أسوء حالاتها، رجلا لم تشفع أمامه الرتب ولا السلطة ولا الجاه لأذرع العصابة، رجلا أقسم على ألا تراق قطرة دم فصدق وعده، واليوم بعد أن صان الوديعة وأدى الأمانة فقد ترجل سيادة الفريق عن جواده، ولم تكن استراحته استراحة محارب عادي، بل إن القدر شاء أن يعيش عظيما ويموت عظيما ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه.
سيادة الفريق احمد قايد صالح، هل تركت لنا كتابا نتعلم منه كيف نعيش أبطالا وكيف نرحل أبطالا؟ هل تركت لنا طريقة نتبعها فنتشرف بأعلى وسام في الدولة ونتشرف بأثمن وأرقى رحيل من الدار الدنيا؟ هل تركت لنا سيادة الفريق نسخة منك نأمن بها شر من يتربص بالوطن؟ هل تركت فينا من يسير الدولة في أحلك أيامها بحكمة كحكمتك؟ هل تركت فينا من يخاف الله في الشعب والوطن مثلك؟ هل تركت فينا من يتغاضى عن سباب “الذباب”‘ ويتفرغ لحماية “الدولة”؟ هل تركت فينا من يكمل المهمة النبيلة التي بدأتها؟ هل تركت فينا من يدرك ويفهم معنى “الكلمة بارود” فيعاهدنا بألا يتم المساس بشبر من أرضنا الطاهرة ويفي بوعده؟
سيادة الفريق احمد قايد صالح، إن قلنا أن الجزائر برحيلك ستهون فسنكون مخطئين، وإن قلنا بأن الجزائر ستنجب قائدا مثلك فنحن أيضا مخطئون، فنحن مؤمنون بوطننا، مؤمنون بقوة شعبنا ومؤمنون بضرورة التضحية إن لزم الأمر بأغلى ما نملك من أجل الجزائر، لكننا مؤمنون أيضا بأن رحيلك مؤلم، ومؤمنون بأنه إذا كان لكل زمان رجاله فأنت رجل زمانك، وإن لم نكن ندرك قيمتك وطيب معدنك طوال سنوات فقد كانت تسعة أشهر كافية لأن نرفع لك القبعة حيا وميتا، فشكرا سيادة الفريق، شكرا أيها القائد، شكرا لأنك مت واقفا، تحية إجلال لك سيادة الفريق، وإن لم يحالفني الحظ في أن ألقي عليك النظرة الأخيرة فاعتبر مقالي هذا “نظرة مني إليك” فأنا أراك في كل كلمة، ثم تحية عسكرية مني لك سيادة الفريق، خبطة قدم على الأرض الطاهرة، عاشت روحك وعاش الوطن، وتحيا الجزائر.

حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.