مواسم البوح

رصيف الكتب: “اتلاف الكتب وتاريخ إتلاف المكتبات “لخالد السعيد”

الابادة الفكرية والمعرفية: الحلقة الثانية

“في التراث العربي والانساني وقائع مروعة وإخبار مثيرة عن اتلاف الكتب والمكتبات حرقاً ومحواً، تمزيقاً ودفناً. وهي ظاهرة رافقت الكتابة قديما وحديثا. تتم بصورة فردية وجماعية وتنشأ زمن السلم والحرب علي السواء وتنجز في طقوس احتفالية ومواكب جنائزية وبطريقة قصدية أو غير قصدية …” عبد الله البهلول من مقدمة كتاب انوار العقول ومحارق العقائد

طرق متعددة والإبادة واحدة : يسمي الكاتب التشيكي “بوهميل هربال” آلة تدمير الكتب على لسان يطله هانتا وهي “الآلة الهيدروليكية” التي رافقته لخمسة وثلاثين سنة من عمره “منذ خمسة وثلاثين سنة، وأنا أضغط تلك الأشياء في التي الهيدروليكية ثلاثة مرات يتم نقلها في عربة القطار والذي بدوره ينقلها إلى مصنع عجين الورق …” ص 14، والمتعارف عليه منذ فجر التاريخ أن الطريقة الأكثر شيوعا هي الحرق ونذكر أيضا علي سبيل الحصر:

أ/الدفن: وهي الوسيلة المعتمدة من أصحاب الكتب من تلقاء أنفسهم وبإرادتهم لدواعي التشكيك في مصداقيتها، الخوف، الفقر أو تغيير توجههم العقائدي أو الفكري.

ب/الغسل والتخريق: وتعتبر الأقل انتشارا وغالبا يقوم به السلاطين بفتاوي الوعاظ والفقهاء وهو ما فعله الخليفة العباسي “المهدي” بكتب فرقة “الزنادقة”[1] بحيث قام بتمزيقها بالسكاكين وما قام به أيضا أحد الملوك الساسانين الذي لم تعجبه كتب الطبيب والمفكر أبي بكر الرازي[2] فقام بإصدار أوامر لجنده بأن يضربوا رأسه بكتبه حتى تتمزق كليا.

ج/ الغسل والتغريق: وهو أن يوضع الكتاب في حوض ماء حتى يتحلل الحبر ويزول تماما أما التغريق فهو القاء الكتب في عرض البحر أو النهر وهو ما فعله الخليفة العباسي المنصور برمي كتاب الساعد البغدادي “الفصوص” في نهر الفرات وما اقدم عليه الغزاة المغول بكتب “دار الحكمة” ببغداد سنة 1258.

أهم محطات إتلاف الكتب في التاريخ العربي الإسلامي: تفردت الحضارة العربية الاسلامية بتاريخ حافل بتدمير الكتب عبر أربعة عشرة قرنا ويمكن حصرها في هذه النقاط :

أ/حرق المصاحف: وكان هذا في زمن الخلافة الرشيدة، تحديدا في فترة الخليفة “عثمان بن عفان” بعد اتساع رقعة انتشار الدين الاسلامي في أصقاع اللأرض صارت هناك عمليات نقل مشوهة للمصحف الشريف من ذوي اللسان الغير العربي وكان هدفه هو توحيد المصحف وقراءته بين جميع المسليمين ولقد أورد المؤرخ “عبد الرحمن بن خلدون” هذه الواقعة بتفاصيل أكثر في مقدمته.

ب/الاتلاف الذاتي: وهو الاتلاف الذي قام به أصحاب الكتب بأنفسهم أو أوصوا غيرهم بالقيام به بسبب المغالطات وهو ما أقدم عليه عالم الحديث “سفيان الثوري” الذي مزق الالاف الصفحات وطيرها في الهواء وهو يردد” ياليت يدي قطعت ولا كتبت حرفا” وغيره الكثيرون من علماء الحديث والمفكرين.

ج/التعصب العرقي والمذهبي: وهو البلاء العصي الذي عصف بالحضارة الاسلامية وأدى إلى تمزيقها وتفككها في المراحل الأخيرة من الخلافة العباسية. فأقدم كل مذهب وكل طائفة وكل عرق منذ الفتنة الكبري بوضع تصنيفات وبإلغاء الآخر الغاءً تاما مما أدى لحروب فكرية ودموية طويلة الأمد ومن أهم تلك المجازر الفكرية كانت 420 م حين قام والي “خرسان”” أمين الملة أبو القاسم “بحرق كتب الشيعة  أمام الملأ في الساحات العامة وتشريد أتباعهم وقتلهم وزج بهم في السجون وهذا لتطاولهم على مذهب السنة والجماعة وسبهم للصحابة والتابعين…يتبع

 

[1] اسم اطلق علي فرقة اللادنين واتباع الديانات الزرداشتية, المانوية والصابئة ابان الحقبة العباسية

[2] طبيب وفيلسوف فارسي   عاش بين سنة 864م/923 م.

أسماء جزار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق