مواسم البوح

رواية (الأمّ)

همسة

أوّلُ مَن لفت انتباهي إلى رواية (الأمّ) لماكسيم غوركي هو نجيب الكيلاني – رحمه الله – عندما صرّح في حوار أجري معه؛ أنّ هذه الروايةَ ذات مستوى فنّي بديع وأنّ الأديب الرّوائي مكسيم غوركي استطاع بقدرة فائقة أن يوظّف فنّه وإبداعه لخدمة مبادئه وأفكاره، ومرّ على ذلك أكثر من عام ووقعت الرّواية بيدي في أحد معارض الكتاب، فأقبلت على قراءتها بنهم، مؤجّلا كلّ قراءة أخرى غيرها وأدركت مع الصفحات الأولى للرّواية أنّني أمام عمل روائيّ عالميّ خالد، وأنّ ملاحظة الأديب نجيب الكيلاني حولها لم تكن عفو الخاطر، وإنّما هي قناعة راسخة وتأثر كبير وقويّ بالرواية.

وأكثر ما شدّ انتباهي في هذه الرّواية هو شخصيّة (بيلاجي)؛ الأمّ التي استطاع الكاتب بحذق أن ينمّي شخصيّتها ويطوّرها؛ من مجرّد شبح لامرأة مقهورة إلى مناضلة واعية مدركة لكلّ أبعاد الفكرة التي تضحّي من أجلها، ومن بين أهمّ الأفكار التي عالجها الكاتب ببراعة وأضفى بذلك على الرّواية مسحة فنيّة أخّاذة، وجعلتني استغرب كيف تتوافق مع الفكر الشيوعي، الذي يدعو له الكاتب؛ هي تركيزه على عناصر أساسيّة بعيدة كلّ البعد عن الفكر الماديّ (الديالكتيكي) الذي قرأت عنه سابقا وبشّر به منظرو الشيوعيّة الحمراء ..

يهتمّ غوركي في روايته هذه بالجمال إلى حدّ الإسراف، ويولي الفكر والثقافة أهميّة ذات أولويّة كبيرة، تُقدَّم على كلّ شيء متمثلة في القراءة المكثّفة للكتب، ثمّ هو يحفّ كلّ ذلك بحوار دائم ومتتابع بين شخوص الرّواية، حوار جماعيّ وحوار ذاتي، ويدهشني أيضا الاهتمام الزّائد بالفنّ والطبيعة من طرف أبطال الرّواية.

وعندما أقرأ هذا الحوار بين بيلاجي وصوفيا:

” ومن سيكافئكم على جهودكم؟

فأجابت صوفيا: لقد نلنا مكافأتنا.وخيّل للأمّ أنّ الكلمات ترنّ في اعتزاز وفخر..

– لقد وجدنا طريقةً في الحياة ترضينا، إنّنا نعيش بكلّ القوى الروحيّة التي فينا، ما عسانا نسأل الحياة غير هذا؟!

وقلت في نفسي لو أنّ الكاتب الذي سطّر هذه الكلمات عرف الإسلام وحقيقته التي لا تبعد كثيرا عن مثل هذه المعاني؛ لما ارتضى أن يعتنق نظريّة ماديّةً تلغي كلّ قيم الرّوح !

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق