مواسم البوح

روح مقدسية..

قصة

تتردد الذكرى على خاطري فتعود بي إلى أزمنة سحيقة لازلت أراها بين عيني كأنها تحدث أمامي الآن..

حين يظهر الحبل الأزلي الذي يصل الأرض بالسماء فينتشر أريجا سماويا من عبق الشهداء، لازالت الأوقات على سرعتها تسير أياما ودهورا ولا نزال نودع ذلك الشهيد الذي ارتقى ظهر اليوم في صورة ملائكية صمت لهيبها سكان الأرض والسماء، ولا أدري ماذا تملكني حينها! أهو حزن على تلك الأم التي جفت دموعها؟ أم الحيرة من خواطر متواردة على حين غرة؟ وأنا أتساءل عن سبب جمود تلك الدموع، فلم نجدها إلا وهي تواسينا وتقول:

_ لي كل الفخر أن قطعة مني سبقتني نحو الفردوس، وستمضي بي الأيام لأجتمع بها عند الله وذلك وعد اليقين.

هكذا تمضي كل الأيام بالمخيمات، التي لا تمر عليها لحظة دون أن يرتقي منها شهيد تاركا أما..أختا..زوجة..أبناء وقد رسم على جبين الفخر تغريدة أبدية تجعلهم يرون الأمة والوطن والإنسانية والربانية قبل الأنفس والأرواح..

وغير بعيد عن نعش الشهيد المحمول بصرخات التكبير فوق أكتاف الرجال، نجد ذلك الطفل المختبئ وراء أثواب خيمته ينظر أباه وهو يرتقي للملكوت، ويسمع أمه تبكي منادية:

_ لنا الله هو عالم بحالنا، وسيبدلنا جنة خيرا مما لديكم وسيحبط عمل الظالمين.

طفل يرقب الصمود والانكسار، فتتوقد في ثناياه رغبة الانتقام والانتصار، ويهتف الضمير داخله:

_ الله أكبر واليوم وغدا هو المنتصر.

وعلى الخوف من صور القصف والدمار، تراه يركض إلى جمع الرجال ويقول:

_ أنا صغير بروح وقلب رجل..دعوني أحمل نعش أبي وأواريه معكم لمثواه الأبدي ليرقد في ثرى القدسية بسلام.

وتفرغ مراسم التشييع والشهادة، ليعود فتى السابعة لأحضان أمه ويقول لها:

_ ما تبكي يامو أبي خلف رجال.

ويركض مغادرا تلك الخيمة لينضم إلينا بمرحه وصخبه المعتاد، ونحن نوزع المؤونة على رواد المخيم وندعم بما نستطيع مترقبين موتنا المحتوم، ولكن قوة وجأش ذلك الطفل الصغير يرابط على قلوبنا، فهناك من الصغار كبارا ومنهم نتعلم البطولة والانتصار.

الكثير منا كان يرقب صفحة السماء وهو ينتظر قصفا صاروخيا أو طيرانا جويا يقذفنا بقنابله لنزف الشهداء إلى مثواهم الأخير، ولم يكن أحد يدري على من سيكون الدور..لكن هو الشوق للعطاء..شوق للرحمن..ورؤيته سبحانه في أعلى الجنان كان يحركنا فإما ننتصر أو نموت.

ويأتينا ذلك الطفل فيلاعبه أحدنا على براءته ويعطيه بعض المؤونة ليوزعها، فيتحامل عليها لثقلها ويقول:

_ لا تخافوا أنا كبير وفيني أحملها لحالي.

وفجأة اسودت السماء بعواصف صاروخية لطائرات f16 والأباتشي معلنة حالة الطوارئ في المخيم، فاستجبنا لنداء الشهادة ونحن نخلي السكان إلى ملاجئ تحت الأرض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي هذا الزخم أسرع البطل الصغير لينقذ أسرته المتعبة من غدر الزمن إلى الملاجئ، حتى رصدته قذيفة صاروخية ليسقط تحت الانقاض لترتفع روحه إلى السماء نازفا وهو يقول:

_ ألا لعنة الله على الظالمين.

حنين شامي/  بسكرة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق