ملفات

زلزال وشيك في أسعار السيارات!

الحكومة تعيد فتح رواق الإستيراد

تعرف أسواق السيارات في الجزائر، برأي خبراء واقتصاديين آخر أيام “العزّ المصطنع” الذي دفع بأسعار المركبات إلى مستويات جنونية، تجاوزت فيها سيارة بترقيم يعود إلى “القرن الماضي” مبلغ الـ 100 مليون سنتيم على مدار 04 سنوات وأكثر، دون أن يطرأ على مؤشرها أدنى اهتزاز!

حملت تصريحات وزير التجارة السعيد جلاب “بشائر” للمهتمين بسوق السيارات في الجزائر، وتحديدا المواطنين الذين لم يدفع الغلاء الفاحش في الأسواق إلى توقف “أحلامهم” في امتلاك سيارة خاصة، أو للعائلة بعد هول “النيران” التي ألهبت أسعار السيارات على مدار العقد الأخير.

هذا، وكُلّف كل من وزير المالية ووزير التجارة بوضع تصور حول الآليات القانونية الكفيلة بالترخيص للمواطنين باستيراد السيارات المستعملة.

وحسب بيان الوزارة الأولى، فإن الاجتماع الحكومي المنعقد يوم الأربعاء الماضي، برئاسة الوزير الأول نورالدين بدوي، حيث أفضى الاجتماع إلى صدور عدة قرارات منها تكليف وزير المالية الحالي محمد لوكال، بمعية زميله في قطاع التجارة سعيد جلاب بوضع تصور حول الآليات القانونية الكفيلة بالترخيص للمواطنين باستيراد السيارات المستعملة، يضيف البيان.

وأكد جلاب أن استئناف استيراد السيارات المستعملة “سيتم في ظل احترام المعايير والمتطلبات التقنية والبيئية والأمنية”.

وفي هذا السياق، أوضح أن هذا الجهاز سيخص السيارات التي تقل عن 3 سنوات، دون تقديم المزيد من التفاصيل حول هذا الملف “الذي يوجد في مرحلة النضج”.

ويندرج هذا الإجراء الجديد في إطار “تصور شامل” حول صناعة السيارات يوجد طور التحضير وسيتكفل لاسيما بإشكالية التركيب CKD/SKD.

وبلغت فاتورة استيراد مجموعات CKD الموجهة لصناعة تركيب السيارات السياحية حوالي 3 ملايير دولار سنة 2018 مقابل 67ر1 مليار دولار سنة 2017، حسب أرقام الجمارك الجزائرية.

 

 أسواق السيارات في اتجاه السقوط

غلاء خرافي.. انهيار جنوني!

تصريحات وزير التجارة، في انتظار ورشة التنسيق مع وزارة المالية في غضون الأيام القليلة القادمة، إضافة إلى توجه عام للحكومة في اتجاه كسر الأسعار من شأنه أن يقلب سوق السيارات رأسا على عقب، حيث يتوقع رئيس جمعية وكلاء السيارات متعددة العلامات السابق، يوسف نباش، انخفاضا حادا في أسعار السيارات إلى نحو قد يزيد عن 50 بالمائة، نتيجة توجه الحكومة بالسماح باستيراد السيارات الأقل من 3 سنوات الأسبوع الفارط، وقال نباش: “أسعار السيارات بدأت بالانخفاض بداية من اليوم.. واحد من المتعاملين خفض أسعاره بـ 35 مليون سنتيم على مستوى المصنع”.

وقال ذات المتحدث، أن أسعار السيارات يرتقب أن تنهار بشكل جنوني وهو ما يتطابق ورغبة الزبائن والمواطنين الذين لطالما دعوا إلى قمع مصانع تركيب السيارات التي التهمت الملايير من أموال الخزينة لاستيراد ملاحق السيارات مقابل الاكتفاء بنفخ العجلات وتضخيم الفواتير إذ تجاوزت فاتورة استيراد هذه المصانع في سنة واحدة 4 مليار دولار، وهو مبلغ يوازي سابقا فاتورة استيراد 300 ألف مركبة جاهزة من الخارج.

وطالب نباش، بضرورة السماح حتى لوكلاء السيارات المعتمدين باستيراد سيارات أقل من 3 سنوات وليس فقط جعلها حصريا للمواطنين، كما شدد على أهمية عدم التماطل في الإفراج عن قرار الاستيراد للسيارات الأقل من 3 سنوات وعدم جعله مجرد كلام وحبر على ورق، مستغربا من تصريح وزير التجارة حينما قال إن العملية محل دراسة، مشيرا إلى أن القوانين موجودة وكان متعامل بها من قبل، في حين تم توقيفها بشكل غير مفهوم بداية من سنة 2006، وهو ما يدعو اليوم إلى ضرورة الإفراج عنه في أسرع وقت.

ودعا المتحدث إلى أهمية محاكمة أصحاب مصانع “النفخ”، مشددا: “هؤلاء ملزمون بتحمل مسؤولياتهم ودفع ثمن التهام الملايير من أموال الشعب مثلهم مثل بقية رجال الأعمال، الذين يقبعون بالسجون”.

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول قرار الحكومة استئناف استيراد السيارات المستعملة “خطوة لتجنب انفجار أسعار السيارات المركبة بالجزائر”.

وقال مبتول إن “قرار الحكومة يهدف للحد من انفجار الأسعار على اعتبار أن معظم أصحاب مصانع تركيب السيارات يوجدون أمام العدالة، وهو ما قد يتسبب في وقف عمليات التركيب ومن ثم انفجار الأسعار خصوصا أن وكلاء السيارات لم يرخص لهم بدورهم بالاستيراد لتغطية العجز في حال وقوعه”.

وأوضح مبتول أن الحكومة السابقة ارتكبت خطأ فادحا بمنع استيراد السيارات المستعملة، وهو خطأ كان يمكن تفاديه من خلال السماح لاثنين أو ثلاثة من وكلاء السيارات باستيراد السيارات حيث يقومون بدفع الرسوم بينما لا يدفعها أصحاب المصانع والذين يستفيدون أيضا من امتيازات أخرى”.

وفي اتجاه مغاير، يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمن عية، أن الحكم على فعالية وجدوى العودة إلى استيراد السيارات المستعملة، مرتبط بمدى التزام الحكومة بالشفافية في تسيير هذا الملف، لأنه في حال غياب الرؤية الاقتصادية، فإن هذا القرار سيفتح بابًا جديًدا على الفساد، الذي يخوض الجزائريون حربًا لمكافحته، بعدما وصل إلى حدود لا تطاق.

وقال عية “إن الجوانب الإيجابية، للقرار معروفة وهي المحافظة على معدلات الميزان التجاري، وخفض فاتورة استيراد مجموعات CKD/SKD الموجهة لصناعة تركيب السيارات السياحية التي وصلت إلى حوالي 3 ملايير دولار سنة 2018 مقابل 67ر1 مليار دولار سنة 2017، بالإضافة إلى تمكين المواطن من شراء سيارة بسعر عادي، قد لا يتجاوز120 مليون سنتيم، وفق معايير دولية، في حال تمت العملية بسلاسة ومن دون إجراءات بيروقراطية.

ويُبنه الخبير، إلى الجوانب السلبية للقرار في حال تطبيقه بطريقة عشوائية، ورفع الرسوم وثقل التعاملات المصرفية، وغياب أجهزة الرقابة المتطورة على مستوى الموانئ، مشددًا على أنه “سيخلق عبء جديد على الاقتصاد الوطني”.

كما كشف عبد الرحمان عية، عن تداعيات العودة إلى استيراد السيارات المستعملة، على قيمة العملة الوطنية، التي ستشهد تدهورًا جديدًا -حسبه- بالنظر إلى أن المواطن سيلجأ إلى شراء العملة الصعبة من السوق الموازية لضخها في البنك المركزي، ويعتقد الخبير الاقتصادي، أنه يتعين على الحكومة مراعاة كل هذه الجوانب حتى لا تقع في الأعباء الاقتصادية التي قد ترهق الخزينة العمومية، مع العلم أن التصور الجاري إعداده من قبل وزارتي المالية والتجارة، يتضمن اللجوء إلى البنك لتسديد مبلغ السيارات المستوردة وكذا التعريفات الجمركية الواجب تحديدها لمثل هذه الصفقات.

 

قصة تصنيع السيارات في الجزائر

04 سنوات من استثمار “النفخ”!

نجحت حكومة “تصريف الأعمال” التي يقودها الوزير الأول نور الدين بدوي في ما عجزت عنه 5 حكومات تنفيذية متتالية بكامل صلاحياتها، قاد الوزير الأول الأسبق عبد المالك سلال ثلاثا منها، في حين انفرد خلفه على رأس الجهاز التنفيذي أحمد أويحيى بحكومتين “اتفقت” جميعها بحسب خبراء اقتصاديين على بيع “الزيف” الاقتصادي، من أجل التغطية على فشل سياسات الاستثمار التي قُدمت كبديل لعقود من حلول الاستيراد المفتوح للمركبات والسيارات الأوروبية.

عاد وزير التجارة في حكومة تصريف الأعمال السعيد جلاب إلى المربع الأول لعمليات الاستيراد للمركبات الصناعية، والذي كان معتمدا حتى 2010، تاريخ توقف الجزائر رسميا على مزاولة سياسة الاستيراد للسيارات الصناعية، وتعويضها لاحقا بالصناعة والتركيب محليا، وهي الإستراتيجية التي تكللت بتاريخ 11 نوفمبر 2016، بظهور صور الوزير الأول عبد المالك سلال وهو يقود أول سيارة “درناها جزائرية” من وهران، في حدث صناعي تم تقديمه على أنه “فتح” اقتصادي مبين، تعيشه الجزائر “القوية” والأهم “الذكية” في خياراتها المستقبلية، دون أن يسأل أحد الرسميين ما الذي أضافه الجزائريون إلى سيارة الـ “سامبول” حتى تكون حقا صناعة جزائرية وجب الافتخار بها؟

وبرأي عارفين بواقع الجزائر الصناعي الذي ظلت متاعب أفران الحجار بعنابة تعكس واقعه حرفيا فإن مشروع صناعة وتركيب السيارات محليا لم يتعدى خطوط “الرغبة” الفاقدة للآلية، وأن كل ما اجتهدت عليه الحكومات المتعاقبة طيلة السنوات الست الفارطة هو الاسترسال في الهروب إلى الأمام وتقديم “التبريكات” تلوى الأخرى، لمولود وضعه الاقتصاد الجزائري ميتا ومشوها أيضا!

ويكشف ذات المتابعين أن صناعة وتركيب السيارات محليا لم تكن في واقع الأمر أكثر من حرب “حيتان” المال والأعمال الجزائريين، الذين عمدوا في البداية إلى اقتسام كعكة الحصص ثم الشروع في احتكار السوق الداخلية، قبل أن تندلع الحرب بين مالكي العلامات في الجزائر عبر محاولات الإطاحة بعضهم بالبعض، وبلغ هذا الصراع ذروته ديسمبر 2018 بنزول تعليمة الوزير الأول السابق أحمد أويحيي والتي قلبت الموازين، وأربكت الشركاء بقرار الحكومة اعتماد خمس علامات كبرى فقط للاستثمار في الجزائر، وإسقاط ماركات أخرى سبق لنفس الحكومة أن منحتها رخص الاستغلال في السابق، مثلما حدث مع علامة “كيا” باتنة، وعلامة “تويوتا” التي استدعت تدخل سفير اليابان بالجزائر وتعليقه عن صعوبات غير مبررة في ملف الاستثمار في الجزائر، لتتراجع حكومة أويحيى في الأخير وتفتح ملف الاستثمار في مجال تركيب وصناعة السيارات الذي بلغ 83 ملفا، أقرت الحكومة اعتماد 39 علامة عالمية حسب آخر تصريح رسمي.

واكتمل المشهد الفوضوي للقطاع بتسريب صور “صادمة”، لخصت الجانب المظلم في تفاصيل الملف، بتأكيد أن كل ما تنجزه صناعة السيارات في الجزائر لا يتعدى ضخ الهواء داخل الإطارات، ما استدعى تحريك الحكومة لفريق تحقيق وتقصي، اختفى بدوره في النهاية دون أثر.

إعداد: عبد الرحمن شايبي

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق