العمود

زمن بلا معالم لمعالم بلا زمن

التفكير بصوت عال

هنالك شعور دائم بأن الحاضر أقل وهجا من الماضي، وبأن ما سيوف يأتي ليس بقدر جمال ما قد مضى ولا أهميته. لا أحد يستطيع تحديد النقطة التي تدفعنا صوب شعور كهذا. يكتفي “جان بول سارتر” بالنظر إلى تاريخ الفكر البشري والقول: “نحن لسنا أهلا لكل هؤلاء الأسلاف”. موقف نهائي تعميمي. الغالب أنه لا يعول عليه. بقدر ما لا يعول على يسارية سارتر التي أفضت به على كثير من الأخطاء التي أشار إليها مرارا في أحاديثه غريمه الوفي “ريمون آرون” قائلا: “كل ما قلته اتضحت صحته وكل ما قاله سارتر اتضح خطؤه” …ولكن الجمهور الطلابي في باريس صرخ في وجهه بشكل قاتل: “نفضل أن نكون على خطأ مع سارتر على أن نكون على صواب معك!!”.

هل تعتز كل مرحلة بأخطائها أيضا؟…يبدو ذلك. الخطأ ايضا يصبح جزءا من التجارب التي نحتفي بها. ونقفز بسرعة على رغبة المراجعة صوب رغبة التعظيم والاكبار. نزعة تنسينا الحلم القديم المسمى “الحكمة” المتعالية المطلقة، لكي نعوضها بفكرة أقل ثقلا على قلوبنا. وبسرعة كبيرة نقول: “لا علينا…لكل مرحلة ابستيماتها ودوكساتها…لا قلق ولا حرج علينا!”.

زمننا مولع بالمرور السريع على الأشياء. الإنسانية نفسها تعمل على تحقيق حلم “جاك أطالي” بما يسميه  “البشرية المرتحلة” أو ربما “بشرية الشتات”…وقد يحسن أن نستعير صورة البئر والسحابة للتعبير عن هذا المعنى. فبعدما كنا إنسانية الآبار التي تحفر بحثا عن ماء في أعماق الأرض تبلغه بعد عنت (حفر- بحث- عمق- بلوغ…كلها كلمات تحيل على رؤية صوب العالم وليس على صورة بلاغية تيمم بأطراف الفلسفة)… صرنا إنسانية السحاب التي تتهاطل عليها مياه المعاني من السماء دون أن تطرح كثيرا من الأسئلة…إنسانية غير ملتزمة بأي شيء.  بنت لحظتها التي لا تفكر في غدها. التاريخ والمستقبل بالنسبة إليها معطيات مبهمة ومفاهيم ميتافيزيقية.

في مسار ما نحن بصدده كان الدين هو الضحية الأولى. الدين يفرض الالتزام ولا يتحول عنه كثيرا. ثابت مثل البئر يتفرج على السحاب تحركه رياح التغيير (يا له من تعبير جميل!)…

ولسائل أن يسأل فلسفيا: ما الالتزام؟…سيجيبه أي مهتم بالفلسفة مثلي: “هو مهام ملحقة بالموضوع (الأدب الملتزم/ الالتزام الاجتماعي أو السياسي) لكي يتعين بعيدا عن أدبيات تعلمناها في المدارس بأن الالتزام مسألة حياة أو موت…مسألة مصير!.

ولكننا في إطار ما يحلم به جاك أطالي نبحث عن التزام مخفف. التزام  light…مثل الأطعمة المتخففة من الدهون ومثل السجائر المتخففة من النيكوتين أو المشروبات المتخففة من السكريات…حياة كلها لايت…

يأتي الكاتب الذي ورث بلاغة القدماء وورث الحس المأساوي بالعالم معتقدا بضرورة إشاعة وعي ما ببلاغة تستعيد ثقل الأشياء التي حكم عليها ميلان كونديرا بالخفة التي لا تطاق. وكان حكمه نهائيا غير قابل للطعن. يتساءل صديقنا الكاتب “الجاد” (ويا لها من كلمة ثقيلة على المعدة المتعودة على كل ما هو light ) …يتساءل عن موقع الكتابة، فيفاجأ بأن الإجابات كلها تدور حول المتعة والتسلية…قارئ اليوم يبحث عن حياة بلا ذاكرة، عن  بهجة الهشاشة، ولذة العابر، كل شيء سحابة عابرة…من الأحسن لها أن تمطر مطرا خفيفا يصلح لتصوير فلم إشهاري أو فلم تصويري لأغنية ولا يهم أن يكفي لسقاية الأرض والمواشي. الماء مسألة سياسية لم يعد مسألة مرتبطة بالسماء!

الواقع هو أن الحياة أفقية وغير معنية بشيء عدا الاستمرار الأفقي على سطوح ناصعة عبر مسارات معدة سلفا.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل يكون الموت بهذا الشكل عموديا؟

من أجمل المفاهيم التي تلخص هذا الزمن مفهوم “الشعور الفلسفي” الذي اجترحه “جيل دولوز” بديلا عن “الوعي الفلسفي” …حتى الفلسفة التي هي “أم العلوم” لم تعد تطمع في الانجاب. تريد أمومة متخففة. تتماشى مع زمن السحاب والرحالة… ولن يتساءل أحد عما سيخرج آنذاك من “الأرحام الاصطناعية” للفلسفة..

الشعور الفلسفي هو تفكير غير ملتزم بثمار. شيء يشبه شجرة الزينة التي تعوض الأشجار المثمرة. سيسأل صديقنا الأديب صديقه الفيلسوف: ولكن كيف نأكل إذا غرسنا أشجارا للزينة؟

وسيجيبه الفيلسوف المتعود على العقل التهكمي كما يسميه “بيتر سلوتردايك”: عالم اليوم يأكل من محلات السوبرماركت. الصناعي هو الذي يطعم الناس اليوم، أما الفلاح فلا أحد يريد أن يراه ولا واحد يتمنى أن يكونه. الفلاح رمز البقاء في الأرض. وهذه آفة زمننا.

يقف بعد ذلك صديقانا المتحاوران متأملين الكارثة.

متى بدأ كل هذا؟

سيجيب بيتر سلوتردايك : يوم أن زار سارتر هايديغير في بيته، وكان متحمسا جدا لهذا العقل الكبير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ثم عاد خائبا بعدما رمى باقة الورود التي أهداها إياه أهل هايديغير في محطة القطار. وعلق في مقهى الفلور الباريسي مع أصدقائه: قابلت فلاحا ولم أقابل فيلسوفا…

بعد قرابة عشرين سنة من هذه الحادثة سيقف سارتر على دبابة تذرع شوراع باريس في إطار احتجاجات الطلبة ومظاهرات 1968،  فيما يكون هايديغير بصدد العمل على التأويل. الدبابة تمر مر السحاب ولن يكون سارتر يومها على حق – كعادته – …أما التأويل فيشبه البحث في جذور النباتات التي يعمل الفلاح عليها…

يؤرقني السؤال دوما حول ما كان يسكن ذهن شوبنهاور وهو يتحدث منتصف الطريق بين الفنان والفيلسوف، أو بين العالم والفنان/ الأديب…كان يتحدث عن المهرج العارف. ماذا بحدث للمهرج حينما يحصّل المعرفة؟ هل يواصل إضحاك الناس في مسرح الحقيقة؟ أم أنه يكون قد تعود على المسرح أو الحلبة وأنه حبيس منطق الضحك؟ وهل للمعرفة نظام قد يتقاطع مع نظام التهريج؟ الفيلسوف في الرؤيتين الإغريقية والنيتشوية كائن يأتي من الموت ويتجه صوب الموت. ووحدها الفترة ما بعد الحداثية  وجدت طريقة للضحك والفرفشة في الإطار الفلسفي، ولهذا وصف نوام تشومسكي الفيلسوف اليساري الاستعراضي سلافوي جيجك بأنه “مهرج لا يخلو من أهمية”. وهنا نكون قد دخلنا باب تأويل فعل التهريج.

يمكننا أن نقول في الخلاصة بأن عالمنا يحتاج إلى التأويل أكثر من حاجته إلى شعارات ترفع عاليا كحال السحب. ولهذا سيكون البقاء لهايديغير لا لسارتر، على أمل ألا يأتي جاك أطالي (أو صديقه برنار هنري ليفي) ليقول: ولكننا نفضل أن نكون على خطأ مع سارتر على أن نكون على صواب مع هايديغير.

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق