مجتمع

زواج الأجر… حسنات معلقة ومصالح عالقة

يعتبر الزواج أمر عادي وسنة الله في خلقه.. وعلاقة مقدسة يربطها الميثاق الغليظ ويتبادل فيها الزوجان المودة والرحمة، حيث يتساوى فيه كل مقبل عليه دون أن يتفاضل أحد عن الآخر إلا ببعض ما توارثه المجتمع من عادات وتقاليد ميزت كل منطقة عن الأخرى وكل قبيلة وكل أسرة.. لكن تستوقفنا أحيانا بعض الحالات التي تحفّز سيول الاستفهامات وعلامات التعجب وكذا مواقف الرفض والتصدي من أفراد الأسرة التي عادة ما تقف في وجه كل محاولة  لزواج محكوم عليه بالفشل المسبق وانعدام الاستقرار والمشاكل المفتوحة حسب تصور الأهل، خاصة إذا تعلق الأمر بارتباط غير  متكافئ من وجهة نظر الكثير ممن يستغربون قبول أصحاء بطرف من ذوي الاحتياجات الخاصة أو ممن بلغ بهم الكبر عتيا، وأغرب من ذلك الزواج من أجل الاعتناء بزوجة مريضة أقعدها المرض وأنهكتها “قلة الصحة“..

هي زيّجات غريبة يعللها أصحابها بالتفاني في فعل الخير والإيثار على النفس وأنه لا وجود لمصالح تحرك علاقاتهم بل مقصد “الأجر” هو من يدفعهم للتنازل عن طموحات الشباب و أحلامه ليتم “دفنها” طوعيا ـ حسب نظرة المجتمع ـ  في علاقات غامضة تثير تصدّي المجتمع وتستثير التحدي عند أطرافها.

 

علينا ألا نكسر الخواطر بل علينا جبرها

قد لا يقبل المجتمع ولا يتقبل زواج امرأة جميلة متزنة خالية من العيوب الخلقية برجل معاق كليا مهما حاولت أن تبرر إقبالها على ذلك، ولأن مفهوم الحب “مستنكر” في مجتمعنا فقد أستبدل بمصطلح “الأجر” أي نيل رضا الله سبحانه وهذا ما يحاول أن يوصله لنا المقبلون على ما يسمى “زواجا غير متكافئ” عند المجتمع بينما هو التكافؤ بعينه حسب قناعاتهم الشخصية، تقول راضية التي تزوجت قبل شهرين بشاب كان ضحية حادث مرور بنسبة مائة بالمائة بمعنى أنه فاقد لآلية تحريك أعضائه أو التحكم بها..تقول هذه “الراضية” بأنها تعرف زوجها قبل الحادث الذي حرمه أعز ما يملك وكانت معرفتها به محدودة كونه ابن الجيران الشهم المهذب ولم تكن على علاقة به لكن تقدمه لخطبتها رغم حالته “المزرية” جعلها تقبله دون تردد “علينا ألا نكسر الخواطر بل علينا جبرها” على حد قولها ورغم معارضة أسرتها فقد أقنعتهم أن “الدنيا فانية” وعلينا أن نتجاوز قليلا أنانيتنا وأن نعيش من أجل فعل الخير ونيل “الأجر” ..”من يدريك…لعله يُشفى ذات يوم وهو في هذه الحالة بحاجة إلى زوجة تعينه على قضاء حوائجه دون حرج..فقد كان يشعر بالانزعاج الشديد لكنه اليوم مرتاح كوني زوجته” وعندما أخبرتها أن الغنى قد لعب دوره ربما في تسهيل قناعتها ـ فزوجها شاب غني ـ ولو كان فقيرا معدما لما تجرأت على القبول..استنكرت هذه الرؤية وقالت هذا ما يراه المجتمع وهذا ما يتهمنا به لأنها فكرة مستجدة ربما..لكن هذه العلاقات أعلى من مستوى التفكير المتدني السائد وسننجح بإذن الله تقول راضية الراضية”.

 

وللشيوخ نصيب من الشباب

يعتبر الزواج من شيخ مسن هو الآخر من الزيجات المرفوضة في المجتمع لكن هناك الكثيرات ممن يقبلن عليه بدوافع مختلفة كالطمع في الميراث من بعده أو لظروف كالطلاق والترمل باكرا ورفض الشباب الزواج من امرأة نالت حظها منه ولم توفق فيه..لكن أن يكون السبب “الظاهر” هو نيل الأجر فنحن إذن أمام ظاهرة جديدة لزواج من نوع جديد يسعى لنيل الأجر والحسنات بعيدا عن المطامع المادية وهذا طبعا من وجهة نظر المقبلين عليه والذين يفشلون في إقناع الآخرين بهذه النظرة “المريبة” حيث لا يستساغ فيها تزاوج أطراف لا يتشاركون في أي رابط يمكن من خلاله تقبل علاقاتهم وما أكثر هذا النوع من الزواج وحالاته لكن ما استوقفنا في حالة “فاطمة” أنها تزوجت بشيخ في الستين من عمره وهي لم تجاوز “الربع قرن” من عمرها..وقد قلنا استوقفتنا لكون زوجها رجل بسيط لا مال يغذي “مطامعها” ولا صحة ترضي رغبتها تقول فاطمة: ” تقدم لخطبتي علما أن والدي متدين وقد ربانا على القناعة والرضا فقلت في نفسي ماذا لو “ندّي فيه الاجر ونتزوجو..وين راه المشكل” تقول جدتي دائما “رانا انتاج” بمعنى لا تدري من يموت قبل الآخر..قد تثير زيّجة من هذا النوع الاستغراب وقد يكثر الكلام والتفسيرات لكن من حقه أن يتزوج ولا يشكل فارق السن أيّ فارق من وجهة نظري”افهموها كيما تحبو وفسروها” لكن أين المصلحة في الزواج من مسنّ متقاعد بسيط؟؟..الأمر لا يشكل ظاهرة لكن المجتمع من يستغرب ويستنكر وهو في الحقيقة لا شأن له باختيارات أفراده”.

 

الضرة حلوة ولو قيل مرة

في هذه الحالة لا ينطبق المثل القائل “الضرة مرة” لكون “وردة” قبلت أن تتزوج برجل متزوج وهو زيادة عن ذلك تعاني زوجته مرضا غريبا جعلها طريحة الفراش ما جعله يشترط أن تقوم زوجته الثانية بالعناية بها والعيش معا في بيت واحد.. وبعد طرقه الأبواب التي أغلقت في وجهه لغرابة طلبه  قبلت “وردة” ورأت أن الأمر عادي “والمسلم يعاون خوه المسلم” وهي في عامها التاسع تقوم برعاية ضرتها وكانت السبب في تحسن حالتها الصحية ولا تريد “جزاءا ولا شكورا” وإنما تطمح في قبول عملها من الله عز وجل وتنشد الأجر والثواب.

لم ينتبه المجتمع ربما إلى أن هناك من أفراده من تتعالى قراراتهم وتوجهاتهم عن المستوى السائد من التفكير فتصنف خياراتهم ضمن “المستغرب” و”المشكوك في أمره” وغير المقبول” لعله الوازع الديني من يحركهم ولعلها مصالح عالقة لا يمكننا إدراكها..ولعله “زواج الأجر” إن صحت تسميتنا من سيغير مفاهيمنا وقناعاتنا وحتى رؤيانا لبعض الأمور.

سماح خميلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق