العمود

ســـوق “الذر”

مجب الكلام

يقال أن من كثر كلامه كثرت أخطاؤه، وبناء على هذه العبارة وقياسا بها فإن نتيجة استمرار أي شخص في فعل ما يفعله بنفس الطريقة المملة سيكشف عيوبه إن عاجلا أم آجلا، ويقال أيضا أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وكل هذه العبارات وغيرها توضح أن هناك حدودا لكل شيء وتعدي الحدود يعني تلاشي قيمة الشيء وفساد أشياء أخرى وحدوث كوارث في بعض الأحيان، ولا شك أن الطبيعة في كثير من ولايات الوطن مؤخرا قد كان لها الرأي نفسه حين لم تستوعب البالوعات وقنوات الصرف الصحي كمية الأمطار المتساقطة فكانت الكارثة إذ شهدت عدة مناطق في الوطن فيضانات قلبت المدن رأسا على عقب.
انسداد قنوات الحوار بين السلطة وبعض الشعب لا بد وأنه شبيه بانسداد البالوعات، وحتما فالنتائج ستكون متشابهة، والحديث عن انقلاب الحراك الشعبي رأسا على عقب وحدوث نتائج عكسية لما كان يتوقعه الجزائريون عندما خرجوا في الثاني والعشرين من فيفري مطالبين بواقع أفضل للبلاد.
الجميل في الحراك أن الشرفاء في الدولة قد فتحوا قنوات الحوار واستقبلوا بصدر رحب مطالب الشعب خاصة الرئيسية منها والمتمثلة في إنقاذ الجزائر من نظام ملكي غير مباشر وتحرير الدولة من أيدي العصابة التي تغلغلت في كل مؤسسات الدولة وعاثت فيها فسادا فظيعا، فالشعب حين خرج في الثاني والعشرين من فيفري لم يكن سقف مطالبه عاليا، وقد اكتفى بالمناداة بإلغاء العهدة الخامسة، لكن الشرفاء من أبناء الدولة قد ذهبوا إلى أبعد من العهدة الخامسة وقدموا للشعب خدمة لم يكن ليحلم بها لو قضى الدهر كله في الشارع، فالقرارات الجريئة التي اتخذتها العدالة الجزائرية خلال ستة أشهر ما كان لأي رئيس أن يتخذها حتى لو صوت عليه الجزائريون بنسبة 100 بالمائة، ما يعني أن نية تطهير البلاد باتت واضحة جدا فوق كل ما كان يتخيله الشعب خلال عشرين سنة مضت.
الوجه السيء في الحراك هو أنه مكن الكثير ممن لا شأن لهم من أن يكون لهم شأن ويظهروا على أنهم أبطال في حين كانوا مجرد هررة تمتهن الخرخرة السياسية في عهد “العصابة”، فمن كان بالأمس مجرد نكرة سياسية يقتات من مزابل العصابة أصبح اليوم محرضا على التمرد وعلى العصيان المدني ومحرضا على مجابهة الجيش بالدعوة إلى تحييده والطعن في نية كل من يفتح قناة للحوار من أجل إيجاد مخرج آمن للبلاد، ومشكلتنا اليوم مع هؤلاء ربما أكبر من مشكلتنا مع العصابة نفسها، لأن المعروف عن “الحية” أنها تموت إذا قطع رأسها لكن ذنبها يبقى متخبطا، فإذا كان رأس العصابة أو الحية قد قطع فالذنب لازال يبغي بالشرفاء سوءا، والمؤسف أن يجند الذر من مراهقي الجامعات والتنظيمات الطلابية ليظهروا على أنهم النخبة التي “ترفض كل مبادرة للحوار”، لذا فمن عيوب الحراك أن يتحول من انتفاضة شعبية إلى “سوق للذر” يجند فيها “المبرعدين” على أنهم “نخبة الشعب”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق