ثقافة

“شباح محمد” المدعو “بوحة” فنان مسرحي هاو تلتقطه أعين الذاكرة وتعيده إلى الواجهة

مسرح باتنة الجهوي يكشف النقاب عن أحد مؤسسي الحركة المسرحية بباتنة

يعد أحد وأبرز مؤسسي الحركة المسرحية بباتنة، فنان هاو ترك بصمة من الفن الكوميدي الذي كان يقدمه للجماهير الغفيرة المتوافدة عليه من كل صوب بالولاية الخامسة، مجاهد لا تزال آثار الثورة ملتصقة بجبهته وعينيه وبروحه الوطنية، بقاعة سينما الوداد بباتنة، بعنابة، وقسنطينة، والحراش، فرقة السعادة، أسماء ومسميات التصقت بالمسرح الذي كان يقدم آنذاك في الأعراس ويدور موضوعه حول الثورة التحريرية ابان الاستعمار الفرنسي الغاشم، من هنا وهناك كانت الذاكرة تصدح بين السجون في فرنسا والحراش أين تعلم أولى أبجديات المسرح، وحيث كان يعتز بكونه فنانا بمختلف التظاهرات المسرحية المقدمة، وعلى ركح أيضا تيمقاد الدولي كانت له معنا وقفة، لنعود عبر ذاكرة تاريخ المسرح في يومه العالمي لأحد رموزه الذي لم ينساهم التاريخ بل تناساه الزمن ولكنه أبى إلا أن يعيده إلى الواجهة، حيث يقبع رجل الثقافة والمسرح “شباح محمد” المدعو عمي بوحة”، وحكاية مسرحية “القرلو” و “المشينة”.

كانت المفاجأة سارة عندما أقدم المسرح الجهوي بباتنة ممثلا بمديرها جمال النوي في تقديم عرض غاية في الأهمية، في التفاتة رجولية فنية تزامنا واليوم العالمي للمسرح المصادف لـ 27 مارس2019، للتعريف بأحد مؤسسي الحركة المسرحية بباتنة، المجاهد شباح محمد المدعو “بوحة” (89سنة)، معية وفد من الصحفيين والفنانين وتلميذه جمال ربيحي، الفرصة كانت جد سانحة للتعرف على أحد الفنانين الذي وعلى الأرجح لا يعرفه الكثيرون من هذا الجيل، ولم يعد أحد يتذكره إلا الجيل الذي كان فيه، بقي من بقي، ورحل من رحل، إلا أنه عاد فجأة في يوم بزغ فيه نجمه الآفل، وعادت إلى ذاكرة المسرح، لتُري لنا أحد مؤسسيها.

الأوراس نيوز التي تنقلت إلى بيت شباح محمد، الذي لم ينم يومها كما قالت ابنته وهو ينتظر لحظة اعادته عبر الزمن إلى ماضيه العتيد، فرحة غامرة وهو يستقبلنا عند الباب، وكأنه يقول للذاكرة “ألف مرحبا ها قد التقينا مرة أخرى عبر ركح البيت”، استقبلتنا العائلة بأكلمها وثمنت الالتفاتة التي قام بها المسرح الجهوي بباتنة وتكريم الفنان شباح محمد، نظير مجهوداته التي لم ولن يتناساها الذين أوقد فيهم هذا الرجل حب الفن، كما وسبق وأن دأب على تقديم حراك مسرحي مميز.

مسيرة شهمة عرف بها الفنان الذي قال عنه أحد تلامذته جمال ربيحي” أنه كان رجل ملهم وكوميديا فذا وعصاميا، فلا هو “غناي” ولا “هو سيناريست”، جمع مختلف المواهب في واحدة وراح يقدم العرض بكل ارتجالية”.

يعود بنا الفنان شباح محمد ابتداء من تاريخ ميلاد 1930 بثنية العابد بباتنة، إلى حكاية التحاقه بجبهة التحرير الوطني في سنة 1956، ووجود في سجن باريس، ثم انتقاله إلى سجن الحراش  في سنة 1958 أين تعلم أبجديات الفن المسرحي، ثم إلى سجن البرواقية، وسنة 1961 تم اطلاق سراحهم، عمل في العديد من المهن، وفي سنة 1969 رجع إلى ولاية باتنة بعدما استقر بعنابة لمدة من الزمن، بداياته كانت مع الكشافة الاسلامية لسنة 1963 مع محمود بن حسين، التابعة للديوان الوطني للسياحة، وشارك في عدة مسرحيات مع فرقة السعادة للمسرح والموسيقى، حيث التقي بكمال شيخي، بن دراجي فاروق، عميرة عامر، قدور لادمية وعبد العزيز هوارة، وشارك في فيستفال تيمقاد للفنون الشعبية لعام 1972 للفرقة الشعبية الغنائية، والتي كانت تحضرها اللآلاف من العائلات، قدم خلالها دور “الفرملي” في مسرحية “المشينة”، وعُرف بـ “بوحة القرلو” في “مسرحية القرلو” الذي أعدها بنفسه، يضحك عمي بوحة وهو يقول: “ردوني قرلو، كان أي شخص في باتنة نتلاقاه نقولوا تعرف القرلو، يقول بوحة القرلو”، ولا يزال يذكر كلمات الأغنية في شخصية القرلو فيقول “قرلو واش بيه هذا الراس نحو….نخرجوا واش منو” إلى تكملت الأغنية التي رددها جميع الفنانين المتواجدين في بيته، ناقلا بنا عبر ذاكرته أثناء لقائه أيضا بالحاج “محمد العنقة” رائد الأغنية الشعبية، حيث كان ينقله إلى “فندق الشرق رويال”، وحكايته معه عندما قام بإهداء أغنية له وللأوراس نظير كرمه معه أثناء تواجده بمهرجان تيمقاد للفنون الشعبية، والكثير من الذكريات التي وبالرغم من مرض عمي بوحة الفنان، إلا أنه أراد أن يشاركنا بعضا منها كفرحته لهذه الزيارة.

مدير المسرح الجهوي باتنة السيد جمال النوي ثمن مثل هذه القامات ومجهودات المسرح الجهوي بباتنة لنفض الغبار عنها، إلى جانب وجود الفنان بوزيد شعيب الذي قدم هو الآخر بعضا من ذكرياته مع شباح محمد، كما تم قراءة الرسالة العالمية التي كتبها المخرج والدراماتورج “كارلوس سيلدران” من دولة كوبا، أستاذ مسرح بجامعة هافانا – كوبا، جاء فيها : “لما فهمت أن المسرح في حد ذاته موطن ومساحة شاسعة تغطي العالم، نشأ في أعماق نفسي قرار وهذا القرار في ذاته تحرر  لا تبتعد من المكان الذي أنت فيه، لا جدوى من الركض والتنقل، حيث ما كنت يكون الجمهور، يكون الرفقاء الذين تحتاجهم بجانبك، هناك خارج منزلك توجد الحقيقة اليومية المبهمة والغير قابلة للاختراق، اشتغل وفق هذا الجمود الواضح لتحقق أكبر رحلة على الإطلاق، تبدأ من جديد، من زمن المغارات: كن أنت المسافر غير القابل للتغيير والذي لا يتوقف عن تسريع كثافة وصلابة حقيقة عالمك.تتجه رحلتك نحو اللحظة، الوقت و التقاء أشباهك، رحلتك تتجه نحوهم نحو قلوبهم، نحو ذاتيتهم . سافر في داخلهم، في مشاعرهم، في ذكرياتهم التي توقظها وتجمعها، رحلتك مذهلة، لا أحد يمكن أن يعطيها حق قدرها أو يسكتها، ولا أحد يمكنه أن يقيس حجمها الصحيح، إنها رحلة في مخيلة شعبك، بذرة مغروسة في أبعد أرض موجودة : الوعي المدني، الأخلاقي و الإنساني للمتفرجين عليك، وهكذا أبقى غير قابل للتغيير، دائما في بيتي مع أهلي في هدوء واضح أعمل ليل نهار. لأن لدي سر الانتشار والتوغل”.

هذا وتم تكريم الفنان محمد شباح نظير ما قدمه وكونه أحد المؤسسين للمسرح بولاية باتنة من طرف مدير المسرح الجهوي بباتنة، هذا الأخير الذي طلب مجموعة من الصور التي يحتفظ بها شباح محمد مع ايقونات الفن المسرحي وأيضا بداياته، لتوضع للأرشيف وحتى لا ينسى التاريخ مرة أخرى، بصمة شباح محمد عبر ركح مسرح باتنة.

تغطية: رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق