ثقافة

شريف محمد “مادي” كوميدي كرس فنه ليمنح جرعات زائدة من السعادة للصغار والكبار

دخل عالم المساحيق والألوان وارتدى الأنف الأحمر الكبير ليصنع البهجة في عالم أنهكه المرض والفقر والأزمات، ويرسم الضحكة على وجوه أرهقتها المآسي والأحزان، مهرج كرس موهبته الفنية ليرسم ضحكة على محيا طفل أنهك جسده مرض السرطان وإذ به يودع العالم ضاحكا، ويدخل السرور على قلب طفل فقير يائس وإذ به يمنحه بصيص أمل في غد أفضل، إنه شريف محمد المدعو “مادي”، صانع البهجة بامتياز، فأينما حل تعالت أصوات الضحكات النابعة من القلب، وأينما ارتحل نثر الأمل وخفف أوجاع الكبار والصغار.
ـــــــــــــــــــــــــــ
حوار: ايمان جاب الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا عرفنا بفن التهريج الذي كرست الكثير من وقتك ومجهوداتك لتقديمه في قوالب فكاهية وكوميدية ضاحكة، وأخبرنا عن بداياتك في هذا الفن، ولماذا انتقيته تحديدا؟
– التهريج كما هو معروف لدى الجميع عبارة عن عروض هزلية يتم تقديمها في قالب فكاهي مشوق يبعث على الضحك، ويتناول موضوعات مختلفة قد تكون ثقافية أو اجتماعية أو حتى سياسية ولكن بطريقة هزلية بسيطة جدا، وأما بالنسبة لي فقد كانت بداياتي في حقل التنشيط في فن التهريج والفكاهة سنة 2006 وكان ذلك في المخيمات الصيفية التابعة لمؤسسات حكومية، بالإضافة إلى تعاملي أيضا مع قطاع التربية بالولاية، ومن خلال هذه التجربة الفريدة من نوعها اكتشفت موهبتي في إضحاك الناس وخاصة الأطفال، وبعدها بدأت أتلقى الكثير من التشجيع والدعم من المقربين الذين أشاروا عليا بصقل موهبتي في حقل التمثيل الفكاهي والتهريج، وذلك ما دفعني إلى المضي قدما في هذا العالم الذي يولد الطاقة الإيجابية ويبعث على السعادة والبهجة والسرور، وقد كان ذلك من بين أهم الأسباب التي شجعتني أساسا على الخوض في هذا النوع من الفنون.
هل ترى أنه من الضروري تنظيم دورات تدريبية لتعليم “فن التهريج” في الجزائر، أسوة بباقي البلدان التي منحت أهمية كبيرة لهذا النوع من الفنون الكوميدية؟
مؤكد أنه من الضروري تنظيم دورات تكوينية لتعليم “فن التهريج” لأنه ببساطة فن قائم بذاته وله قواعده الخاصة به، وللوصول إلى احترافه لابد من تعلمه بالإضافة إلى اكتساب الموهبة طبعا، وأنا شخصيا شاركت في العديد من ورشات التكوين المسرحي الخاصة بهذا النوع من الفنون، وتعلمت الكثير من تقنيات التمثيل مع الفنان “عبد الحق بومعراف”، كما شاركت في ورشة مخرج الشارع مع الفنان “لحسن شيبة”، وورشات أخرى خارج الولاية.
فن التهريج منح في الدول الغربية وخاصة الأوروبية وأمريكا مكانة هامة عبر التاريخ وتم إدراجه ضمن الفنون الكوميدية التي تجد لها جمهورا واسعا من المتفرجين. هل نال هذا الفن المكانة التي تليق به في الجزائر أم بقي مهمشا؟

– لا مع الأسف فن التهريج في الجزائر كغيره من الفنون التي لم تجد العناية اللازمة ليتم تطويرها لترقى وطنيا وعالميا، وذلك بسبب إهمال إقامة ورشات تكوينية للمهرجين لصقل مواهبهم، وتعلم أساسيات التمثيل الكوميدي واحترافه لتقديم عروض أكثر إبداعا واحترافية، ومعالجة مواضيع تفيد الفرد والجماعة.
ولكن ما يحز في نفسي دوما هي تلك النظرة المستهزئة التي ينظر بها أحيانا إلى المهرج حيث يعتبره البعض أضحوكة أو “جايح” كما نقول بعاميتنا متناسين بأن ما يقوم به المهرج من سلوكات وتصرفات دعنا نقول بلهاء هي التي توصله في النهاية إلى نجاح عرضه الذي لا ينضوي بالضرورة على مجرد فكرة سطحية وإنما هو عبارة عن رسالة قد تكون رسالة توعية أو نصح وإرشاد يتم توصيلها بطرقة فكاهية وكوميدية وترفيهية مضحكة قد تترك أثرها في نفس المتلقي أكثر من أي طريقة أخرى.
ماهي أهم النشاطات التي قام الفنان الكوميدي “مادي” بتنشيطها، والتي أضافت له الكثير لمسيرته الفنية؟
كل الأنشطة التي قدمتها كانت مهمة بالنسبة لمسيرتي الفنية حيث قدمت عروضا للأطفال في الروضات وقدمت عروضا عديدة في دار الثقافة بباتنة، وعروض أخرى قدمتها في مستشفيات عديدة خاصة مستشفى مكافحة السرطان، حيث كنت أحرص على زيارة الأطفال المرضى في الأعياد والمناسبات لأقدم لهم عروضا فكاهية وهزلية تنسيهم بعض الألم الذي حاق بهم، وحتى في الأيام العادية كانت في جعبتي دوما عروض أنضمها لأدخل بها البهجة والسرور على قلب البراءة، وكانت إضافة إلي على الصعيد الإنساني.
كذلك قدمت الكثير من العروض في مراكز الطفولة المسعفة، وشاركت مع جمعيات خيرية نظرا لكوني ناشطا جمعويا، فكانت لدي عروض كثيرة مع جمعيات يد الخير، والدنيا بخير، وجمعية آلاء الثقافية، وجمعية المبدع الصغير، وبلسم الخير وكن عيني وغيرها من الجمعيات في ولاية باتنة.
كما انخرطت أيضا في صفوف الهلال الأحمر الجزائري بولاية باتنة ونظمت عدة عروض خيرية من خلاله، وشاركت في عمل مسرحي بعنوان “حقوق الطفل”، كما شاركت في عدة عروض وخرجات تمت في الهواء الطلق مع شركة Telecom ووكالات سياحية بولاية باتنة، وامتدت عروضي لتشمل ولايات أخرى على غرار قسنطينة وبجاية وتيبازة ووهران.
وشاركت أيضا في حصة اليد فاليد مع المنشطين نعيم وعيسى وقمت بتنشيط مخيمات صيفية عائلية تحت إشراف شركة سونلغاز، كما قمت بتنظيم قافلة خيرية تجوب بلديات ودوائر ولاية باتنة، حيث نال هذا المشروع نجاحا كبيرا.
وساهمت في عروض بهلوانية من أجل جمع قفة رمضان 2019، وشاركت أيضا في حفلات الختان الجماعية، ونظمت مسابقة top chef في دار المسنين حيث كان الهدف من هذه المسابقة إدخال البسمة على العجزة في أجواء تنافسية مرحة.
يقال أن المهرج هو نكتة متحركة، فهو يضحك المتفرجين حتى قبل أن ينبس ببنت شفة؟ في رأيك إلى مدى هندام ومظهر المهرج مهم بالنسبة للعرض؟

– لاشك في أن الهندام من أهم أساسيات العمل في فن التهريج، فالأنف الكروي الكبير وأحمر الشفاه الممتد إلى ما لا نهاية، والرأس الأصلع بنتوءات شعر برتقالية، من كل جانب، والقبعة التي لا تتناسب وحجم الرأس، والملابس ذات المقاسات العشوائية والمخططة والمرقطة، والمعطف الواسع والسروال القصير والحذاء الضخم، كلها تفاصيل تخدم العرض البهلواني وتزيده بهرجة، كما أن ألوان الملابس الزاهية تروق الأطفال كثيرا وتزيدهم فرحا وبهجة وسرور.
يقال أن الضحك والبكاء متلازمتان في شخصية المهرج، وإن أظهر هذا الأخير وجهه البشوش والناطق بالفرح قد يخفي في قرارة نفسه حزنا كبيرا، هل يحاول مادي أن يخفي حزنا معينا تحت قناع المهرج؟
بزفرة حملت بعض الأسى وابتسامة لم تفلح في إخفاء علامات الحزن على وجهه، أردف “مادي” أنا أنسى جميع همومي بمجرد رؤيتي للابتسامة على وجوه الأطفال وضحكاتهم تدوي في المكان، هنالك فقط أعرف بأنني نجحت، وصدقيني للنجاح طعم مختلف عندما أرى الفرحة في وجوه الأطفال خاصة المرضى والفقراء واليتامى لأنني أنا أيضا يتيم الأب، وأشتاق لوالدي وأفتقده كثيرا، وأذكره في كل العروض التي أحييها من أجل الأطفال ومن أجله لتكون صدقة جارية له ففي فرح الأطفال أتوقع أنه فرح وسعيد هو الآخر وهو بين يدي أرحم الراحمين.
علاقتك بالمهرج المرحوم مراد يحياوي المدعو “ميرو”؟
بعيون مغرورقة يتذكر “مادي” صديقه الصدوق الطيب قائلا “لم يكن صديقي وإنما كان أخي رحمه الله وجعله من أهل الجنة”، وقد قمنا سوية بتقديم الكثير من العروض في مناسبات دينية ووطنية عديدة، وكان “رحمه الله” سباقا لفعل الخير، حيث كان يقول لي دوما “ما عندنا ما نربحوا في هاذ الدنيا غير نفرحوا المرضى ونسيوهم معاناتهم..”، وها قد وافته المنية وذهب إلى مثواه الأخير أميرا تفوح جميع الأمكنة بطيب ذكره.
إ. ج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق