مواسم البوح

شعاع الأمل

قصة

خرجت من المنزل بعد أن أطبقت جدرانه على صدري؛ فمشيت في الطريق أتجرع مرارة الألم، كان مظلما وبدا ليس له نهاية. لقد كانت نسمات الخريف تلفح وجنتيَّ ببردها القارس؛ فأصبت بالقشعريرة فرفعت ياقة معطفي وغُصْتُ برقبتي بين كتفي، علِّي أقي نفسي البرد.

وعلى طول الطريق كانت أضواء السيارات الكاشفة تبدد عتمة الظلام وهي مسرعة غير آباهة بوحدتي.

لقد بللت السيارات ثيابي وهي ترشقني بماء المطر المتجمع على جانب الطريق، فقررت العودة إلى المنزل؛ فسأصاب بنزلة برد إن لم أعد في الحال، نظرت إلى الساعة فلم أتمكن من قراءة الوقت؛ فوقفت تحت عمود الإنارة ولكن إضاءته كانت خافته، آه… إنها الرابعة صباحا! أمشيت كل تلك المسافة حقا؟! كم من الوقت سأحتاج إلى العودة إلى المنزل إذا؟ نظرت حولي، أين أنا؟ هل تهت؟! وكأني أرى هذا المكان الموحش لأول مرة، وكأني في أرض غير أرضي.

لاح بعض الضوء لما انقشعت غيمة عن القمر، ما هذا المكان يا إلهي؟ إنه حي مهجور، أكياس القمامة مبعثرة في كل مكان وقد تجمعت حولها الجرذان، إنها جرذان تثير الرعب والاشمئزاز، لمعت أعينها لما أحسَّت بوجودي وكأنها باتت تنظر إلي، شعرت بقشعريرة سرت في جسدي، فمشيت إلى الوراء حتى لا أثير انتباهها أكثر.

ثم سمعت أصوات كلاب تلهث جائعة وتعوي كعواء الذئاب تبحث عن طرائدها، وأصوات قطط تموء وكأنها تبكي وتنتحب، لم أشعر بهذا الرعب الذي شعرت به الآن في يوم من الأيام فبكيت، واختلطت دموعي بقطرات الماء المنهمر، ثم تذكرتها …إنها من كنت أرتمي في أحضانها، وأشكي لها همي، لم أنسها البتة.

حل الظلام ثانية وما عدت أرى سوى لمعان عيون تلك الحيوانات المخيفة، فركضت بأقصى سرعتي وأنا أحس بأن قطيعا من تلك الحيوانات يجري ورائي، فسمعت صوتا يقول لي: لا تخف يا حبيبي، سأحميك منهم توقف أرجوك.

لقد كان صوت نبضات قلبي يضجُّ في أذناي وكأنه يمنعني مِن تمييز المُتَكَلِّم، ثم علا ذلك الصوت فتوقفت وأنا ألهث، ونبضاتي تتسارع وتتسارع, أرجوك اهدأ يا حبيبي، أنا قادمة نحوك.

فنظرت حولي أبحث عن مصدر الصوت فما استطعت،  ثم رأيت ضوءا مبهرا، ولكني لم أميِّز صورة المنادي.

فقالت لي: ابحث عن حقيقة الضوء داخلك فأنت ترى مجرد انعكاسٍ له، وما تسمعه هو مجرد صدى؛ فاستمع للصوت الحقيقي داخلك لتعِ ما أنت فيه؛ فأفقت من نومي هلعا، هل كنت أحلم؟! نعم…لقد كان حلما، إنه صوت أمي رحمها الله، وذلك الضوء ما كان إلا ذكراها الطيبة.

لقد جاءت لتخرجني من الحزن والكآبة وكأنها شعرت بآلامي؛ فسأستمع إلى صوتها، إلى نصائحها وعظاتها، إلى ضحكاتها، سأتذكر ابتسامتها الساحرة، إصرارها وعزيمتها؛ فنور وجهها، وصوتها الحنون هما شعاع الأمل في حياتي، هما رفيقاي مادام لي قلب ينبض.

همام محمد الجرف/سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق