روبورتاجات

صحراء النمامشة…”كاليفوريا” الفلاحة في الجزائـر

فلاحون يحولونها من منطقة "ميتة" إلى جنة خضراء

إنتاج كبير فاق التوقعات وطموحات تجاوزت حدود ما هو كائن لتبحث عما يجب أن يكون وتسعى لتحقيقه وسط تحديات ومصاعب كبيرة، هناك وعلى بعد 150 كلم جنوب عاصمة ولاية خنشلة الأوراسية راهنت الدولة على قدرات الأرض وخاض الفلاح غمار المصاعب متحديا المعوقات ليتحقق الحلم وتولد الجنة من الطول إلى العرض من رحم أرض أطلق عليها اسم “الميتة”، أرض لم ينظر لها من قبل على أنها ستكون كاليفورنيا الجزائر الجديدة وحتى المستقبلية من حيث الإمكانات والنتائج التي حققتها ولازالت تحققها بعد أن تحولت سنابلها الذهبية اللامعة من بعيد إلى دافع قوي لمواصلة الدرب فتزيد من لهفة المستثمرين عليها لتتحول من صحراء قاحلة إلى أرض خصبة ولادة تنجب الكثير من الخيرات بقدرة القائل :”يخرج الحي من الميت”.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روبورتاج: نوارة بوبير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنتاج وفير ونتائج توحي ببداية ثورة اقتصادية جديدة

على هامش إعطاءه الضوء الأخضر لانطلاق موسم الحصاد والدرس بولاية خنشلة وبالتحديد من المحيط  الفلاحي قرقيط الصفيحة ببلدية بابار جنوب ولاية خنشلة يوم 19 ماي الفارط، بشر المسؤول الأول على رأس هذه الولاية الفلاحية بتوقع إنتاج مليون و800 ألف قنطار من الحبوب وسط تحديات كبيرة وإمكانات وطاقات هائلة وظروف شهدت تحسنا على مر المواسم في إطار إستراتيجية الدولة التي ترمي إلى تقليص فاتورة الاستيراد لتكون ال 800 منها من قلب المنطقة الجنوبية، كما سجلت خلال الموسم الماضي نموا في الإنتاج الفلاحي بمختلف شعبه بنسبة 13 بالمائة وتمكنت من إنتاج مليون و700 ألف قنطار من الحبوب، ما منح المسؤولين على رأس القطاع والفلاحين على حد سواء آمالا جديدة وفتح آفاقا عديدة لتطوير الإنتاج أكثر وأكثر وتوسيع المحيطات وتسهيل عمل الفلاحين خاصة بالمنطقة الجنوبية التي بدت بها تباشير ثورة اقتصادية جديدة انطلقت من مشروع استصلاح 16 ألف هكتار بصحراء النمامشة التي أسالت لعاب المستثمرين وخاصة بعد تحقيق 5 آلاف قنطار من الحبوب على مساحة قدرت ب 100 هكتار في إطار ورشة الاستصلاح الخاصة بمؤسسة كوسيدار للفلاحة والتي تعد تجربة جديدة سخرت لها إمكانات هائلة سهرت على توفيرها كافة الهيئات المعنية وعلى رأسها مصالح الفلاحة والري وكذا المؤسسة المتكفلة بالمشروع الذي بات يشكل المشروع الحلم والرهان الكبير الذي تجلت ملامح نجاحه بإنتاج كبير حققته المنطقة.

كما أكد السيد صالح هبال مدير تعاونية الحبوب والبقول الجافة وخلال نفس المناسبة بان الموسم الحالي يعد الأفضل سواء من حيث المساحات المزروعة أو عملية توزيع البذور، وتقدر المساحة الإجمالية بالمنطقة الجنوبية من الولاية حسب التقارير والبيانات التي وضعتها المصالح الفلاحية خلال الموسم الماضي ب 359930 هك استغلت منها 26 بالمائة فيما ظلت 62 بالمائة عبارة عن سهوب ومراعي و12 بالمائة أراضي غير منتجة، وقدرت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة ب 92957هك منها 32 ألف هك من الحبوب بإنتاج فاق ال 780 ألف قنطار و 16253 أعلاف بإنتاج فاق ال 612729 قنطار، في حين تجاوزت مساحة الخضر ال 2800هك منها 103 محمية وقدر إنتاجها ب 420 ألف قنطار، وقدرت مساحة الزيتون ب 1284 هك بإنتاج فاق ال 20 ألف و500 قنطار أما النخيل فقد قدرت مساحتها ب 462 هك بإنتاج فاق ال 39500 قنطار . وظلت أكثر من 40158 أراضي مستريحة.

كما كشفت مصادر مطلعة للاوراس نيوز أن الكمية المجمعة من الحبوب بجنوب الولاية وخلال ستة أيام فقط من انطلاق حملة الحصاد والدرس قد فاقت 100 ألف قنطار على مستوى عديد المحيطات، ما زاد من ارتياح وفي نفس الوقت حماسة الفلاحين والمستثمرين وكذا المسؤولين، في حين وقفت طوابير طويلة من الشاحنات المحملة بالحبوب أمام نقاط الجمع بعد قرابة أسبوعين من انطلاق الحملة، وقبلها أعلن المدير العام للديوان الوطني للحبوب وخلال إعطاء إشارة انطلاق الحملة باستحداث ثلاثة نقاط جمع جوارية بكل من العقلة والميتة وحليفاية دون إقصاء أي جهة وسيتم تحويل ما بين 70 إلى 80 بالمائة مما تم جمعه إلى مخازن إستراتيجية وأكد على تسجيل قفزة نوعية في الإنتاج بالولاية.

 

تسهيلات وامتيازات ساهمت في صنع المعجزة

منذ صدور التعليمة 23/18 سنة 1983 التي تنص على التنازل على الملكية العقرية للأراضي بواسطة الاستصلاح انطلق أول برنامج فعلي للعمل وجد شبابا مفعم بإرادة تجسيد المشروع ليليه سنة 2011  برنامج الامتياز الذي خصص للشباب ما مكن من تحويل صحراء الولاية من ارض قاحلة جرداء لم ينظر إليها إلا على أنها ارض رعوية بمنطقة “النفايض” في حال وجود الكلأ إلى قطب فلاحي بامتياز يشهد سنويا تطوير وتوسيع مساحات مزروعة من مختلف أنواع الشعب.

كما مكنت تجربة الاستصلاح الجديدة التي شهدتها “الميتة” على مستوى المحيط الفلاحي الموسوم قرقيط الصفيحة على بعد 150 كلم جنوب عاصمة الولاية من صنع المعجزة بعد قبول التحدي الذي فرضته قساوة الظروف من تربة رملية وارض قاسية وموقع قد لا يسمح بخوض فلاحين “عزل” للتجربة، لتولد حبات القمح الذهبية تلك من رحم “العدم” فتصير سببا في تحقيق الاكتفاء الذاتي ولم لا فتح باب للتصدير في المستقبل القريب بعد أن تتمكن الدولة من تطليق الاستيراد في هذه الشعبة وتمزيق فواتيره نهائيا، ولتحقيق ذلك استفاد مشروع كوسيدار للفلاحة بالمحيط المذكور من عدة تسهيلات من طرف مديرية المصالح الفلاحية وكذا الموارد المائية حسب ما صرح به السيد بوزيد صدام حسين مدير المشروع ديسمبر الفارط، وهي التسهيلات التي ذللت الصعاب أمام المشروع ومهدت لثورة اقتصادية جديدة حيث تم وضع 23 بئرا عميقة حيز الخدمة خلال الموسم الأول ومواصلة انجاز 10 آبار أخرى ووضع 7 أحواض مائية بسعة 20 ألف متر مكعب حيز الخدمة بعد تجهيزها بمحطات ضخ بسرعة تدفق قدرت ب 150 لتر في الثانية على مستوى كل حوض، إضافة إلى  استخدام أكثر من 36 جهازا للرش المحوري بقدرة سقي تفوق ال 40 هكتار لكل جهاز تم تنصيبها على مستوى الوحدات الستة لمحيط الاستثمار بصحراء النمامشة .

كما استفادت ولاية خنشلة وخلال السنة الماضية من مشروع لإعادة تهيئة الطرق والمسالك الجنوبية التي تربط بينها وبين ولاية الوادي على مسافة 520 كلم ما من شأنه تسهيل النشاط الفلاحي وحركة التنقل ونقل المنتجات والبضائع في إطار برامج ومشاريع التنمية للمنطقة الجنوبية والتي رصد لها غلاف مالي قدر ب 35 مليار دينار جزائري، كما أكد مدير مشروع كوسيدار الفلاحي السيد بوزيد أن المؤسسة قد تمكنت من فتح 20 كلم من المسالك الفلاحية الرئيسية بمحيط قرقيط الصفيحة و16 كلم من المسالك الفرعية  لتسهيل حركة التنقل عبر مختلف وحدات محيط الاستصلاح، إضافة إلى تزويد هذا الأخير بالكهرباء الريفية بفضل مصالح مديرية الطاقة بالولاية وبالتنسيق مع مؤسستي سونالغاز وكهريف على امتداد 23 كلم، ما ساهم في تطوير الإنتاج الذي تأثر خلال الموسم الأول بهذه النقطة بالذات حيث زاد غياب الكهرباء الريفية من تكاليف الإنتاج نتيجة اللجوء إلى استئجار المولدات التي فاقت تكلفتها ال 40 مليون دج والتي تستهلك الوقود بشكل كبير بلغ معدله ال 593 ألف لتر.. إضافة إلى وضع الأعمدة الكهربائية من طرف شركة كهريف وربط المنطقة بالكهرباء لتوسيع المساحات المزروعة بتكلفة أقل ومردود فلاحي أوفر.

وحسب البيانات الرقمية الخاصة بالموسم الفلاحي 2018/29019 التي تحصلت عليها الأوراس نيوز من مديرية المصالح الفلاحية فقد تمكنت الشركة الوطنية كوسيدار من استصلاح مساحة 8500 هك من أصل 16.737 في المنطقة الجنوبية للولاية  وقامت بتطوير برنامج السقي الفلاحي حيث جهزت50 بئر عميق مبرمجة منها 31 منجزة

و7 أحواض مائية  (géo membrane) بسعة 22.000 م3 لكل حوض إضافة إلى 33مرش محوري    pivots منها 24 مستعملة في السقي الفلاحي   وتحقيق إنتاج وفير من الحبوب خلال  الموسم المذكور بلغ حوالي 16.000 قنطار على مساحة مزروعة  تقدر بـ : 960 هكتار، كما استفادت شركة الهندسة الريفية من مساحة 3200 هك بالمنطقة الجنوبية “محيط بونقار 3” مستغلة حاليا في شعبة الحبوب والزراعات المحمية.

 نقائص لابد من تداركها ومشاكل معلقة منذ سنوات…

من أكثر المنغصات أرخت بضلالها على نشاط الفلاح الخنشلي عموما والفلاح بمنطقة صحراء النمامشة على وجه الخصوص غياب الانعكاس الايجابي على الحياة العامة له، ونقصد بذلك تحسن ظروفه المعيشية والتنموية التي لم تتقدم بفعل التطور الاقتصادي الذي شهدته المنطقة التي تحولت إلى الدجاجة التي تدر ذهبا على الولاية وعلى البلاد ككل، حيث يعيش الفلاح وعائلته في ظروف صعبة مواجها منغصات ومعوقات معيشية كثيرة باتت تقف حائلا بينه وبين نشاطه الفلاحي ولعل ذلك ما دفع بنسبة كبيرة من الفلاحين للجوء إلى تأجير محيطاتهم وأراضيهم والنزوح إلى المدينة بدل استلام مهامهم واستكمال النشاطات بها، ونذكر من ذلك ضعف شبكات الطرقات وصعوبة التنقل رغم المشاريع التي استفادت منها إلا أن هذا المنغص مازال يفرض وجوده فيحرم الفلاح من تسويق منتوجه من جهة والتنقل من اجل ممارسة الحياة العادية من جهة أخرى، إضافة إلى انعدام مظاهر الحياة الطبيعية بالمنطقة “الميتة” فيضطر الفلاح ولقضاء ابسط حاجياته للتنقل إلى البلديات المجاورة التي تملك هي الأخرى إمكانيات محدودة، فتتوفر المنطقة على مدرستين ابتدائيتين إحداهما واقعة بتراب منطقة عقلة لبعارة والثانية بالميتة وتعانيان من نقائص عديدة تابعتها الأوراس نيوز في أعداد سابقة، منها نقص المرافق التربوية التي تكاد تنعدم نهائيا مشكل البرد خلال فترة الشتاء لغياب التدفئة وتخاذل مصالح بلدية بابار في تزويدها بمادة المازوت وهو الانشغال الذي يطرح من طرف مستخدمي القطاع كل سنة حسب ما أكدته مصادر موثوقة، غياب الإطعام والتهيئة الخارجية إذ ظلتا عبارة عن قاعتين بلا صور يحمي التلاميذ ولا حراسة ولا امن، وهشاشة جدرانها وسقفها الذي يغرق التلاميذ في برك من المياه مع كل تقلبات جوية خلال الشتاء إضافة إلى غياب الكهرباء التي يتم جلبها من قاعة علاج مجاورة بطريقة عشوائية، وهي الظروف المزرية التي ترفع تقاريرها سنويا على طاولة مصالح البلدية دون جدوى فتظل كذلك مجرد مدرستين ريفيتين لا محل لهما من الإعراب، ما وضع الأولياء أمام مفترق طرق وخيارات متناقضة فإما تعليم الأبناء وترك النشاط الفلاحي، آو كسب الرزق والاستغناء عن تعليم الأبناء من اجل ذلك آو الاستعانة بالأقارب ونقل الأبناء للتعليم بمناطق أخرى وهو القرار الأضعف.

إضافة إلى انعدام الخدمات الصحية التي تضطر الفلاح إلى التنقل على مسافات بعيدة إما إلى عيادة متعددة الخدمات ببلدية بابار على مسافة تفوق ال 100كلم أوالى قاعات علاج مجاورة تعاني نقائص فادحة لتلقي ابسط الخدمات الصحية رغم وجود قاعة علاج وحيدة لا تغن ولاتسمن من جوع، وحتى عمال المحطة المنشأة بالميتة وهي محطة لبرق لتوليد الطاقة الكهربتائية والتي وضعت حيز الخدمة منذ أكثر من سنتين يواجهون معاناة كبيرة في المنطقة لذات الأسباب فيفتقدون لأبسط الحاجيات في ظل فقر المنطقة وانعدام المظاهر الحياتية بها حسب ما أكده بعضهم للأوراس نيوز، فكيف إذا بالفلاح؟؟

 

تأخر مشروع الامتياز الفلاحي حجر عثر أمام دولاب التنمية

يعد مشروع الامتياز الفلاحي بصحراء النمامشة من أهم الملفات العالقة التي تترقب رفع التجميد عنها وتحريك عجلتها بعد تأخر طويل، رغم الغلاف المالي الكبير المرصود والذي فاق ال  3500مليار سنيتم، ويتعلق الأمر باستفادة أكثر من 1800 شاب من شباب البلديات المشتركة في الصحراء  ( بابار،المحمل أولاد رشاش) من هذا المشروع الذي لم ير النور بعد وحرك الاحتجاجات الشبانية خلال مناسبات عديدة ليظل متأخرا في حين يتخبط الشباب في دوامة من البطالة والفقر ترقبا لهذا الأخير، كما تعول عليه المنطقة في تحريك عجلة التنمية الفلاحية والاقتصادية والدفع بها أكثر بعد توسيع النشاط الفلاحي ودعم الاستثمار بها وأكد بعض الشبان المستفيدين من هذا الامتياز أن المشروع عرف تأخرا فاضحا دام أكثر من تسع سنوات سواء من حيث تسليم العقود منذ البداية آو الانطلاق بالمشروع، وقد انتهت العملية الأولى في انتظار انطلاق الجزء الأهم من أساسيات المشروع على غرار حفر الآبار وتجهيزها وربطها بالكهرباء، وفتح المسالك والاهم من كل ذلك منح الشباب المستفيدين القرض المخصص لهم، كما أكد بضع الشباب أنهم ظلوا متحمسين لهذا المشروع الذي أرادوا من خلاله الاستثمار في زراعات جديدة وفتح المجال أمام تطوير الزراعة الصحراوية بالمنطقة.

كما لا يزال الفلاح الخنشلي يعاني من مشكل صعوبة التسويق رغم أن المنطقة الجنوبية تحتوي على اكبر سوق للخضر والفواكه بالمنطقة المسماة “عقلة لبعارة”، التي تستقطب العشرات من الفلاحين بالمنطقة الجنوبية وكذا من الولايات المجاورة إلا أن هذا الأخير مازال يعاني الإهمال والتخريب فتغيب فيه ابسط المرافق العمومية التي يحتاج إليها خلال فترة تواجده بالسوق والتي قد تستمر يوما كامل ا واو أكثر فيضطر إلى قضاء ليلته في العراء.

العروشية نقطة ضعف الصحراء التي تعود بها إلى الوراء

يجدر بنا الإشارة إلى أهم نقطة ضعف بصحراء النمامشة والتي كان من المفروض أن تتجاوزها المنطقة منذ عقود من الزمن إلا أنها ظلت كل مرة تفرض وجودها كثغرة في حلقة التنمية التي تهدف إليها الحكومة ويبتغيها الفلاح، وهي مشكلة  أراضي العرش أو كما يطلق عليها “العروشية” التي كثيرا ما تحولت إلى ثغرة في حلقة التنمية بمختلف أشكالها بالمنطقة الجنوبية لولاية خنشلة، وكثيرا ما تسببت في نزاعات بين الأعراش والعائلات  تعود بها إلى الوراء لأتفه الأسباب إذ ظلت الأراضي الموروثة والأحقاد المورثة تثير فتنا وبلبلة بالمنطقة رغم أن حلولها بيد الشعب إلا أنها ظلت دائما عالقة معلقة على شماعة المسؤولين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق