مواسم البوح

صلاة تشرنوبيل لسفيتلانا الكسيفيتش محاكاة الموت وخراب الأرض والإنسان الجزء الأخير

رصيف الكتب

في مكان ما، أعلى مكان، اتخذ القادة قرارات، كتبوا تعليمات سرية، أمروا طائرات هليوكوبتر أن تحلق في السماء، أطلقوا في الطرق أعداداً ضخمة من المركبات، بينما القابعون –في السفح- لم يملكوا سوى انتظار الأخبار وأن يرتعدوا، عاشوا برفقة الشائعات، لكن الجميع سكت، ولم يجب أحد على السؤال الأهم -ما الذي جرى بالفعل؟

 

جمالية الخراب

مرت أعوام على الكارثة التي لم تبقي لا على بشر أو حيوان وحتى الأرض والحجر والهواء والنبات دون اغفال الندوب الغائرة التي تركتها على أرواح ضحاياها ومن بقوا محكومين بأمل ضعيف بأن يعيشوا حياة مشابهة لحيوات البشر في أصقاع العالم كما أنهم مجبرون على التعايش مع الكارثة ولو مكرهين مسلمين بخسائرهم وبالتشوهات التي طالتهم. وعجلة الحياة في سيرورة دائمة والعالم يتقدم بذهول وهو ما ذهبت إليه السيدة “نينا بروخفورنا وهي زوجة أحد مكافحين آثار الكارثة بحيث كان سكان المناطق المنكوبة يستعيدون وتيرة حياتهم المعتادة وعاد الزوار من جديد قادمين من موسكو ولينين غراد  يجتمعون مع الأهالي في سهرات حميمة وحوارات عن الأدب والفلسفة والتاريخ والشعوب وحتى أن مطربة مشهورة تدعي “زارتهم” وأمتعتهم بوصلاتها الغنائية بينما كان الأطفال يلعبون، يرسمون ويرقصون أما الشاهد المجهول الذي رفض التصريح بهويته والذي كان على عكس الشهود الآخرين يلقي باللوم على الصحافة والكتاب وعلماء الأحياء والكمياء الذين لم يحترموا فجيعتهم ولا الشرخ النازف بداخلهم واعتبروهم مجرد ظاهرة قيد الدراسة في المخابر ومواد إعلامية تغطي على جمود الأحداث وكان يمني نفسه ببقاء الزعماء السوفيات فلو كانوا موجودين لما صاروا فرجة العالم وأضحوكة لمن هب ودب بخلاف السيدة فلانتينا تيموففينا وهي أيضا زوجة احدي العاملين في مكافحة أثار الكارثة والتي تساءل نفسها بحيرة ودهشة كيف أنها وصلت إلى هذه الحالة من التصالح مع ذاتها ومع الكارثة؟ وكيف أن كل ذلك الخراب لم يعد موجود رغم  الندوب التي خلفها بل صار في حياة ماضية؟ “لازلت اضحك، أتكلم، أستبد بي الشوق للحياة كنت كالمشلول. كان بي رغبة في الحديث مع أي شخص، أريد أن أتكلم ….سيكون كلاما صعبا ولا يمكن تحمله في مناسبة أخرى –أريد تبادلا للحب …للحب الرائع …..”ص 397/398.

يعد استنطاق كل هؤلاء الشهود وبعث روح النكبة في أرواحهم ومحكاة الخراب الذي طال الحياة ككل وفي أصغر تفاصيلها تأسف الكاتبة وتختم كتابها بسرعة وهذا بمقتطف من مادة اعلامية لإحدى الصحف البيلاروسية كرد فعل مباغت وصادم للقارئ فبعد كل هذا الألم وهذه الخراب والتمزق يشيء الإنسان ويفرغ من قيمته ومثله الأرض وفظاعة الكارثة تتحول “تشرنوبيل “معقل الخراب ومنبع الندوب والتشوهات إلى مجرد مزار سياحي للفرجة على تهور وطيش الإنسان بعد انتشار موجة السياحة الذرية.

أسماء جزار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق