مواسم البوح

“صلاة تشرنوبيل” لسفيتلانا الكسيفيتش محاكاة الموت وخراب الأرض والإنسان”الجزء الثاني”

رصيف الكتب

استطاعت الروائية الصحفية البيلاروسية “سفيتلانا ألكسيفيتش” في روايتها “صلاة تشرنوبل”، عبر سنوات مديدة من البحث والتنقيب منذ اندلاع حريق تشرنوبل الإشعاعي على استقصاء الحقيقة، لا الحقيقة فحسب بل إعادة كتابتها، لا من كتب التاريخ ولا من على منصّات السياسة بل من وجوه الناس وكلماتهم ومشاعرهم، من الذين كانوا في الكارثة وداخل المنطقة المشعّة، من الذين قضوا يومين وهم يتنفسون الإشعاعات السامة، ويأكلون من محاصيل الأرض المشعّة، ويشربون من أنهار الملطخّة ببقع خضراء، دون أن يفكروا ولو لوهلة أن ثمة شيئا خطيرا قد وقع لبلادهم، للبقعة التي تحيط بهم، وحدها غياب العصافير والطيور أدهشهم وهم في فصل الربيع” ليلي البلوشي جريدة عمان 8 اكتوبر 2017..

 

“سيفتلانا الكسفيتش” الشاهدة الأولى

“سيفتلانا الكسفيتش” لم تستنطق شهودها فحسب ولم تكتفي بصخب أصوات الضحايا بل كانت هي أيضا شاهدا تحت المسائلة الضمنية لما حدث في محاولة لكسر الصورة النمطية لحيادية الكاتب وانسلاخه عن جلد مركبه السردي وتداخل مصائر وحيوات شخصياته، ترتق الحلقات المفقودة التي تعمد الكبار تمزيقها وتحفر عميقا في بؤر الحقيقة المشوهة أو المسربة حسب مصالح نظام الحكم ومكانته في العالم كدولة قوية وقطب منافس للقطب الغربي، والعلامة الفارقة حسب الكاتبة بين ضراوة الحرب والكارثة أن الأولى بالفعل تحصد الأرواح وتؤتي على الأخضر واليابس بكل أثارها وندوبها آيلة إلى زوال طال الزمن أم قصر أما كارثة بحجم “تشرنوبيل” فإنها كما كارثة إلقاء القنبلتين الذريتين علي “هيروشيما””ونكازاكي” سنة 1945 تعمر بروح الإنسان بصُلب الأرض وبجميع المخلوقات، تشوه معالم الحياة وتقتل الرغبة في العيش والاستمتاع. “تشرنوبيل”مأساة خالدة تسبب فيها الكبار وتنصلوا من حجم الخسائر المروعة التي خلفتها ودفع ثمنها البسطاء والمعدمون والحيوانات والحجر والتراب :”على أرض “تشرنوبيل”إنسان مسكين لكن عناء الحيوان يثير الشفقة أكثر …لم أتم شرحي للأمر سأفعل ألان إنها بقعة ميتة ماذا سيبقي فيها بعد رحيل البشر؟ المقابر القديمة، المقابر البيولوجية وهي التسمية التي يطلقونها على مقابر الحيوانات. لم ينقذ الإنسان سوى نفسه وخان الجميع بعد أن غادر……” ص70

 

الأرض تتنفس موتاً

“بيوتر.س” يستحضر ذكريات الحرب وحجم فظاعتها وكيف أنها سلبت منه الشعور بالانتماء إلى عالم الطفولة في سن مبكر وشهت معالم الفرح والانتشاء بالحياة كبر وكبرت معه صورة الحرب البشعة التي تنطفئ شراراتها إلا بعد دمار شامل انتهت الحرب وبدأت نتوءاتها تنجلي مع الزمن لكن مافتئ أن أدرك فظاعة أكبر من فظاعة الحرب ورعبا تجاوز رعب الحرب أكثر ما يقال عنه تهاوي وعجز إنساني بعد أن وصل إلى ما وراء العدد صفر بأشواط كبيرة . أما “نيكولاي فومين” وهو رب أسرة من مدينة “بريبيات” والتي تعد من أكثر المدن الأوكرانية تضرراً يشير إلى نفسه بأنه إنسان عادي من العامة وليس محسوبا علي أي جهة، يروي بساطة حياته الماضية كيف كان يذهب إلى عمله يوميا يتقاضي راتبا شهرية ويعود في المساء سعيدا إلى زوجته وأطفاله إلى أن حدث ما حدث وهو ما حوله كما عبر بلسانه إلى “إنسان تشرنوبيل”الذي صار محط أنظار الصحافة والخبراء والباحثون، لكم هم بائسون باعتقادهم أنه كائن  مبرمج على الرد الآلي عن الكم الهائل من نفس الأسئلة الغبية والمكررة وبصيغ مختلفة متجاهلين تماما أن بداخله رغبة بان يكون إنسان وفقط لا ظاهرة ارتبطت بتسرب الإشعاع والخراب … يتبع

أسماء جزار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق