مواسم البوح

“صلاة تشرنوبيل” لسفيتلانا الكسيفيتش

رصيف الكتب

محاكاة الموت وخراب الأرض والإنسان                       

“وإذا كانت الرواية –كنوع أدبي- هي مزج بين عناصر عدة، كـ: التجربة الإنسانية، الخيال، الصنعة الفنية (الأسلوب)، فكتاب تشرنوبل يضم تلك العناصر كلها، فتجربة إنسان الكارثة هي الأصل فيه، ورغم أنه توثيقي إلا أن الكتاب لا يعدم الخيال “الشهود ليسوا متجردين. في أثناء تلاوة الحكايات، يبدع البشر، يتصارعون مع الزمن مثل المثال مع الغرانيت. إنهم ممثلون ومبدعون”، وعلى كثرة الشهادات الذي احتوى عليها، إلا أنه نادرًا ما تتشابه تفاصيل شهادة مع أخرى، وكأن كل شهادة بمثابة قصة قصيرة مدهشة، مأساوية، اعتمدت سيفتلانا في صياغتها على التداعي الشفاهي للسارد عبر لغة تبرز: صوته، لعثمته، خوفه، توتراته، ثقته، وكأنك تسمع الشهادة من فم قائلها لا تقرأها” احمد ناجي علي صلاة تشرنوبيل الكتاب المرعب صحيفة المدن  26/6/2016.

تعرف الكاتبة الصحفية “سيفتلانا الكسيفيش ” بخلقها لنوع جديد من الرواية “البوليفونية “المتعددة الأصوات والمبنية على الشهادات الحية والتوثيق للإحداث التاريخية في آن واحد وهو النمط السردي الذي اعتمدته “سيفتلانا” في جميع كتب  سلسلتها “أصوات اليوتيبيا” والتي ترجمت منها أربعة كتب إلى العربية وهي “ليس للحرب وجه أنثوي” صلاة تشرنوبيل” “فتيان الزنك “و”آخر الشهود” وهو النمط الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية بعد الإعلان عن فوزها بجائزة نوبل للآداب سنة  2015  والكثير من النقاد يعتبرون إن ما تكتبه “سيفتلانا” لا يعدو عن كونه شهادات تاريخية شفوية ولا يمكن تصنيفه ضمن الأجناس الأدبية رغم أنه ذو نزعة إنسانية خالصة ومخيلة خصبة وثرية تحمل معها حيوات بشر عياشوا الشقاء والانقسام والتشتت والوقوف وجها إلى وجه مع الموت التي حملتها لعنة الحروب والكوارث المفتعلة بيد الإنسان.

“صلاة تشرنوبيل” جدارية تعبيرية مضرجة بالخيبات والآلام، بالتحسر والرفض، المآسي المرعبة والشقاء المقدر، وضعت الكاتبة أطرها وتشارك في وضع خطوطها العريضة وألوانها العديد من الأشخاص الذين كانوا شهودا وضحايا لكارثة انفجار مفاعل “تشرنوبيل” الروسي عام 1986. لقد كانت هذه الحادثة المروعة أشبه ما يكون بإعلان الإنسان العداء والحرب على الطبيعة وهي أمه الأولى، المنبت والمنشأ، الرحم الدافئ واليد الكريمة التي لم تخذله منذ الأزل، هو الإنسان بنزعاته الأنانية ورغباته المعلنة بأن يسود كل شيء ويحكمه بقبضة يده حتى لو بلغ به الأمر إلى إنهاء محيطه ومن حوله بكبسة زر.

خراب “تشرنوبيل” تماما كما خراب الحروب المروعة ترك ندوباً راسخة في أرواح  الضحايا وهلاكاً للأرض والإنسان والحيوان وجميع الكائنات “لم ار الانفجار نفسه، رأيت السنة اللهب فقط، ملأ الوهج المكان …..صفحة السماء بالكامل …..لهب إلى حد السماء دخان أسود، حرارة رهيبة. يمر الوقت ولا أثر له، كان الدخان الأسود بفعل احتراق الأسفلت الذي طلي به سقف المحطة، تذكر بعدها أنهم يمشون فوق شيء كالقطران”. ص39

…يتبع

أسماء جزار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق