أوراس نغ

طبقية الكون

أساطير.. كوكرا في الميثولوجيا الأمازيغية "محمد أوسوس"

الرواية الأولى المتعلقة بصورة عوالم متراتبة، قد تركت أثرها في النصوص الحكائية الأمازيغية، والطبقات التي تحيل عليها كل واحدة منها أجناسا مصنفة ومرتبة وفق أهميتها، فالإنسان في الطبقة الخامسة والطبقة السفلى يسكنها جنس لعين عبارة عن اقزام قصيرة القامة Gnomes وهي كائنات عاملة تنفق الوقت في قرض شجرة العالم للوصول إلى ارض البشر وإفنائهم، والطبقة السفلى كما يبدو من النصوص تمثل نقيض العالم الذي نحيي فيه أي عالم البشر المنظم الخصب، والميتولوجيا تبين لنا أنها تأوي الأقزام والغيلان أيضا.

وتصف Lacoste هذا العالم السفلي انطلاقا من الحكايات الأمازيغية، كحكاية محمد ميس ن تاكليت، بأنه عالم لا مرئي، لكنه مسكون، مظلم، فهو عالم الدياجير حيث يسود العقم، وكل شيء فيه يناقض ما هو موجود في عالمنا الممدن المؤنسن، فالخرفان فيه سوداء، وحليب الماعز أيضا أسود لأن القطعان لا ترعى إلا في الرماد والفحم، وحيت تحاول الغولة فيه القيام بنشاط انتاجي، فإنها لا فلح في ارتكاب أفعال هازئة بتلك الأنشطة.

وفي المعتقدات الأمازيغية القديمة كما توحي بذلك الطقوس المختلفة والأدبيات الاثنوغرافية المتعددة التي تتوفر حولها، يمثل جوف الارض عالم الأرواح والأشباح والموتى الأسلاف، الذين يعتبرون سكان العالم السفلي بامتياز لأنهم يستأنسون بالظلام والرطوية، لذلك ترتبط بعض تسمياتها بجوف الارض، من قبيل إيداكالن في إيحاحان، وأيت واداي بوراكًلا، وأكً أماضال لدى التواركً، فالأول فيما يبدو من دو: تحت، واكال وهو الأرض، والثاني يعني أهل الأسفل، والثلث يعني أهل الأرض، ويتكون من أكً (أداة الانتساب، مؤنثها أولت)، وأمضال يعني الأرض لدى أمازيغ الصحراء الكبرى التوراكً.

وإذا كانت العوالم الأرضية السفلى مرتعا للظلمات والعقم والقوى الخبيثة المتربصة بعالمنا المؤنسن وبخصوبته ونظامه، ولعلها المقصودة بلفظة “أرواس” المستعملة في الأمازيغية والعربة العامة المغربية، والتي تعني موطن الجن والغيلان، فإن عالم  السماوات العليا يوحي بالسمو والرفعة والارتقاء، ويرتبط في اللغة الامازيغية بالمطر وما يتصل به، إذ للفظة “أيكنا” وهي مذكر علاقة واضحة بـ “أسكنو” وهو السحاي، وتيكتوت التي تجمع على تيكاو وهي تطلق على المطر  أو على الرعد ذاته في بعض المناطق.

وتشكل السماء مأوى لكائنات سامية من اوراح وحوريات مثل تانيرت في الحكاية الميثية والمعروفة (أونامير)، وهذا ملخص مقتضب عنها” “أونامير فتى وسيم جدا يدله (طالب/ فقيه) على كيفية الإمساك بمن يخضب يديه ليلا بعد أن وبخه كثيرا لملاحظته أنه يحضر إلى الكتاب في الصباح موشوم الكفن في الليل بالحناء، مما يجعل ذكورته موضع سؤال، ويتمكن أونامير بعد أن تظاهر بالنوم من البض على تانيرت الفاتنة الحسناء القادمة من السماء السابعة (ويس سا يكًنوان) التي اشترطت عليه الزواج منها أن يبني لها بيتا من سبع حجرات يفضي كل باب منها إلى باب الحجرة الموالية، وتكون الأبواب من حديد، وتقفل بمفتاح واحد (رمز يعيد انتاج السماوات السبع الممتنعة على الأرض، كما حصلت على عهد منه بأن يكتم سرها على أهله (أمه)، لكن حدث أن سافر لاقتناص غزال يلبي به لها أخر شهوة، فسعت الأم بإيعاز من نساء القرية إلى الإطلاع على سر زوجة ابنها (أونامير)، وبواسطة الديك الذي عثر على المفتاح حققت مبتغاها، وكشفت سر تانيرت وشتمتها جدا، ولما عاد أونامير فوجئ بالحجرات مقتحمة، وقد امتلآت ماء يتدرج علوه كما دنا من الحجرة السابعة حيث تانيرت التي وبخته على عدم التزامه بشروطها، وطلبت منه أن يشق لها في السقف شقة صغيرة للتنفس من خلالها، وما كاد يفعل حتى تحولت تانيرت إلى حمامة تركت له خاتما في يده، فهام على وجهه بحثا عن حل للالتحاق بها في السماء السابعة، حتى اهتدى إلى نسر “ايكًيدر” عرض عليه أن يحمله إليه اعترافا له بالجميل لأنه كان يطعم صغاره في عض فوق شجرة شريطة ان يذبح فرسه وكان يحبه جدا، ويهء من لحمه سبع قطع (سات توطًيطين ن تفيييً) ومن دمه سبع قوارير “تحديدا سبع قصبات سات تغانيمين، فيناوله في ل سماء قطعة وقارورة، وهكذا فعل على مضمض، غير أنه في السماء السابعة سقطت من أونامير قطعة لحم، فاقتطعها من ساعده، وذلك ما يفسر لماذا تبدو سواعد البشر في منطقة تمفصلها بالعضد كما لو اتقطع منها جزء، فانتبه النسر لمذاقها الآدمي، وكاد يلقي به لولا أن رق لحاله، لما التحق أونامير بتانيرت في السماء السابعة أوته في قصر زوجها الثاني، ومكنته من كل ما يريد إلى أن يطلع ما تحت حجر، لكنه بعد مدة أزاح ذلك الحجر فأبصر من خلاله كوة أمه عمياء تناديه باكية، وهي تمسك أضحية لا تجد من يذبحها فألقى بخنجره فلم يصل، فألقي بنفسه وتفكك وتمزق بين السماء والأرض، فلم تصل منه غلا قطة واحدة من ذمه ذبحت  كبش الأضحية واستعادة أمه بصرها.

…يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق