أوراس نغ

طبقيــة الكــون

أســـاطير

كوكرا في الميثولوجيا الأمازيغية “محمد أوسوس”

فتانيرت في هذه الحكاية المثنية كائن سماوي سام يقع على النقيض تماما من الكائنات التحت أرضية (الأقزام أو الغيلان أو أرواح الموتى) السفلية والعقيمة، ولذا كانت تحتل موقعها في السماء السابعة (ويس سا يكنوان)، ولما هبطت إلى الأرض كان عليها أن تعيد انتاج السموات السبع رمزيا من خلال مسكنها (سبع حجرات مقفلة بباب حديدي) تمنعها من الاتصال بالبشر.
وأبطال الحكايات يحتلون موقعا وسطا في هذه التراتبية (الأقزام أبعدوا إلى الدرك الاسفل، والإنسان في العالم الممدن المؤنسن، وتانيرت في العالم العلوي (السماء السابعة)، وهذه التراتبية تحمل بلا شك أبعادا ودلالات اجتماعية، كان تمثل إسقاطا رمزيا لطبقة اجتماعية.
وإذا كان أونامير قد اختار طوعا أن يصعد إلى السماء السابعة في الحكاية السوسية، فإن محمد في الحكاية القبايلية المعروفة باسم “محمد ميس ن تاكليت (محمد ابن الأمة وأخوته الستة) قد هبط قسرا إلى الأرض السابعة (السفلية) بواسطة كبش أسود، إذ في طريق العودة من رحلة مغامرات مثيرة مع إخوانه، هبط محمد إلى بئر لإرواء رفاقه والدواب التي كادت تموت عطشا رغم اعتراض زوجته التي حذرته من إخوانه، إذ قطع هؤلاء الحب للحيلولة دون صعوده، فمنحته خاتمها السحري بعد أن اخبرته بأن كبشا أبيضا سيقوده إلى العالم العلوي، (أيكري أملال أك إيدكر أر دونيت)، وأخر أسود سيقوده إلى العالم التحت أرضي (أبركان أك إيدكر أر داو تمورت)، لكن محمد يمسك بالكبش الأسود فيرميه تحت الأرض، حيث كل شيء أسود بما في ذلك حليب المعز، فوجد بيتا تسكنه عجوز وحيدة تستدر حليبا أسود من معزها (تزك أيكفي أبركان) التي لا تأكل إلا الفحم (ثيركًين) وبعد مدة قضاها في رعي ماشيتها سمع الطيور تدله على كيفية الصعود من عالمه السفلي وذلك بذبح كبش، والركوب على ظهر نسر (أيكًيدر) من النسور التي ستحط على الجيفة لالتهامها، فتقوده إلى عالم البشر، وبالفعل فعل ذلك لكن على غرار حكاية (حمو أونامير) السوسية، فقد اشترط عليه أحد هذه النسور التي أطعمها لحمه إعداد سبع شرائح من اللحم يقدمها له كلما عبر إحدى الأراضي، لكن إحداها تسقط فيقتطعها من ساقه،غير أن النسر (أيكًسدر) يتفطن لملوحتها فينبه محمد بذلك وبقية الحكاية الطويلة لا تهمنا.
تبدو هذه الحكاية كما لو أنها تعاكس اتجاه حكاية حمو أونامير، ففيها ينزل محمد ابن الأمة إلى الأرض السفلى ليلتحق بعجوز وحيدة تاركا زوجته الشابة، بينما أونامير يلتحق بالسماء السابعة ليلتحق بزوجته الشابة تانيرت تاركا أمه العجوز وحيدة على الأرض، فيما تتفقان في كيفية الالتحاق بالعالم المرغوب (الأرض بالنسبة لمحمد، السماء بالنسبة لأونامير)، بالركوب على متن النسر، وهو أيكًيدر “ملك الطيور”(أكًلًيد ن وايلالن) في الميثولوجيا الأمازيغية في الحكايتين، وتزويده بشرائح اللحم عند بلوغ كل طبقة وسقوط الأخيرة منها، فيضطران لإقتطاعها من جسديهما (الساق بالنسبة لمحمد والذراع بالنسبة لأونامير)، وتفطن النسر لطعمها غر العادي (المالح) فيهددهما بإسقاطهما لولا عطفه واعترافه بالفضل.

…يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق