العمود

طفولة؟!

بعيون امرأة

تتسارع وتيرة التقارير والتحقيقات حول ما يعانيه الأطفال من قتل و حرمان واستغلال واعتداءات واغتصاب لطفولتهم التي تَفَضَّلَ (الكبار) بمنحها بعضا من اهتمامهم، كلما تصادف حلول يومهم العالمي أو الوطني لحقوق اكتسبوا بعضها وبقي أكثرها معلقا تتقاذفه سلطة المنظمات والدول وصراعات السياسيين والعسكريين ومصالحهم التي لا تنتهي، حيث حولوا أطفال العالم إلى دروع بشرية يسْتَخْفون وراءها من عظيم ذنبهم حيال فئة مجتمعية ضعيفة تدفع ثمنا باهظا لحسابات يجهلون لِمَ هم طرفا في معادلاتها (المخزية).
وحيث أن لكل إنسان زاوية متفردة فإن ما يراه البعض معاناة تكسر الخاطر ولا توحي بنور في الأفق قد يراه آخرون مجرد مرحلة عابرة ستؤول إلى مصير محتوم شئنا أم أبينا..لهذا لا يلقون بالا لكل التجارب الصادمة أو المخيبة التي يعيشونها والتي قد تبدو مؤشرا لمستقبل يلقي الحاضر عليه ضلاله فلا ينبئ بشيء من التفاؤل.. بل يرتكزون عليها من أجل آت أفضل مما مضى غير آبهين بالجانب المظلم من حياتهم.
فتجارب العظماء من رجال ونساء كانوا سببا في سعادة البشرية ومن ثم أنفسهم علمتنا كيف أن الواقع المأساوي في الصغر لا يعني أبدا العيش بذات المستوى في الكبر..فكم من أثرياء اليوم لم يكونوا ليحتكموا على رغيف الخبز الناشف قبل سنوات وكم من ضعيف قوى عوده وسط عواصف الحياة التي لا ترحم من يستكين لها مستسلما.. وكم من أصحاب المناصب المرموقة من كان وضعه لا يختلف عن أي بسيط ممن يصادفهم يوميا… وكل واحد يشكل لوحة واقعية سرعان ما تتغير تفاصيلها بين ساعة وأخرى؟!.
أذكر طفلا كان يدرس معي في المرحلة الابتدائية يصدق فيه وصف (العيش المأساوي) حيث كان يتبادل مع أخيه الحذاء عند بوابة المدرسة ليدخل أحدهما به بينما الآخر يكمل سيره حافيا إلى بيته.. قبل أن ننبه المعلم إلى حاله لتتكفل المدرسة بتوفير ما يليق بتلميذين عاشا الحرمان طويلا ولمدة أسابيع دون أن يشعر من حولهم بما يعانيانه..قيل لي أن ذاك الطفل أصبح اليوم من صاغة المدينة الكبار وبأنه يعيش وعائلته حياة الثراء بكل امتيازاتها فقط لأنه سعى لتغيير حاله ولم ينهزم أمام الظروف القاسية.
ولأن البعض يولد وفي داخله رجل يمنحه القوة ليجابه الحياة بنكساتها فالأمثلة لا تحصى ممن كان الصفر أولى خطواتهم نحو تغيير واقعهم رافضين أن يكونوا مجرد رقم مجهول الهوية ضمن تقارير (مناسباتية) لا تسمن ولا تغني من جوع وحرمان وظلم تعيشه الطفولة كل ثانية أو جزء منها لا يرحم؟!.
سماح خميلي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق