روبورتاجات

عاشوراء في الأوراس

تزخر منطقة الأوراس بعادات وتقاليد عريقة، جميلة وكثيرة، يحافظ عليها الأوراسيون من جيل إلى جيل، والمرأة الأوراسية جُبلت على الاهتمام بتراث منطقتها وتوريثه إلى الأجيال القادمة، ولا تفرٍّطُ في هذه العادات، بل تجتهد في ترسيخها في ذاكرة أبنائها ، وتعتبر نفسها مسِؤولة عن إيصال هذه العادات ونشرها في ربوع منطقها، كما تسعى إلى إيصالها إلى أبعد المناطق، لتعرّفها بهويتها وأصالتها وجود وكرم أهلها، واهتمامها بهذا الموروث الثقافي المادي و اللّا مادي، ولا ترضى بزواله أبدا، وهدفها الأسمى في إحياء هذه المناسبات هو لم شمل العائلة ، وتعريف الأبناء بالسيرة النبوية الطاهرة ووصاياه النيرة، كتذكر اليتامى والفقراء  من الأهل والجيران وزرع محبة ذوي الأرحام وغرس الروابط الأسرية في النفوس والتعود عليها منذ الصغر ، خاصة وأن هذه المناسبات تحيا عند كبار العائلة كالجد والجدة، وعند الوالدين.

هذه أمور وأعمال دأب عليها الجزائريون، خاصة إحياء سنة النبي المصطفى (صلع) .

 

لعاشوراء جانبين جانب روحاني إيماني ديني، وجانب عرفي تراثي:

ـ تعريف عاشوراء: هو اليوم العاشر من محرم، ومحرم هو أول الأشهر الحرم  (وهي: ذو القعدة وذو الحجة ورجب)، وهو بداية السنة الهجرية  التي هاجر فيها الرسول (صلع) من مكة إلى المدينة بوحي من الله سبحانه وتعالى رفقة صديقه المقرب أبو بكر الصديق ،ويقال بأن هذا اليوم وقعت فيه عشرة أحداث وهي : ـ نجاة سيدنا موسى عليه السلام من كيد فرعون بإغراقه وجنوده فصامه حمدا وشكرا لله:ـ  و هو ـكذلك- اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد الرسول {صلع} في معركة كربلاء بالعراق ـ وهو، أيضا، يوم كساء الكعبة، ثم بعدها صارت تكسى يوم النحر ـ وهو اليوم الذي نجى الله فيه نوح عليه السلام ورست سفينته على الجودي ـ واليوم الذي تاب الله فيه على  سيدنا آدم، وقيل هو اليوم الذي نزل فيه سيدنا آدم إلى الأرض ـ وأنقذ الله فيه سيدنا إبراهيم من النمرود ـ وفيه وهب الله سيدنا سليمان الملك ـ و فيه أُخرج سيدنا يونس عليه السلام من بطن الحوت ـ وفيه شُفٍيَ سيدنا أيوب، ورفع عنه البلاء ـ وفيه وقعت غزوة ذات الرقاع وقد سميت بهذا الاسم لان الصحابة لفوا على أرجلهم رقاع {وهي خرق من قماش} بسبب ما أصاب أرجل الصحابة من جراح وتساقطت أظافرهم من تصادمهم بالحجارة والصخور.

 

الجانب الروحي الإيماني:

كانت قريش في الجاهلية تقدس هذا اليوم وتصومه ، وكان الرسول (صلع) يصومه وأمر بصيامه ، فلما فرض صيام رمضان ترك عاشوراء وقال: من شاء صامه ومن شاء تركه وأعلمهم بأن من صام يوم عاشوراء تكفر ذنوبه {الصغائر} السنة التي قبله ويستحب صيام اليوم الذي قبله و اليوم الذي بعده ، وقال {صلع} “لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع والعاشر فأنا أحق بموسى من اليهود”، والأفضل صيام التاسع والعاشر من ذي الحجة ومن استطاع فليصم اليوم الحادي عشر أيضا.

والعائلات الأوراسية تهتم كثيرا بإحياء كل الشعائر والمناسبات الدينية بالقيام ببعض العادات والتقاليد المتوارثة من جيل إلى جيل، وعاشوراء من الأعياد المقدسة والتي تقام فيها الكثير من الأعمال في المنطقة زيادة على الصيام والقيام، و إخراج الزكاة والذكر وقراءة القرآن الكريم جماعة في المساجد وفرادى ، وتكريم حفظته، وسرد قصص الأنبياء وسيرة الرسول (صلع) وسنته العطرة ، خاصة هجرته من مكة إلى المدينة وما عاناه من اضطهاد ومشقة، وبطولات الصحابة الكرام ومعاناتهم في صد الكفار، والقيام بالغزوات مع المصطفى (صلع) والخلفاء الراشدين ،وزرع الأخلاق الحميدة بين المسلمين وترغيب الناس في هذا الدين القيم الذي جاء بالعدل والهدى؛ يقومون أيضا ببعض الطقوس والممارسات التي أصبحت تقليدا وعرفا كل يمارسه حسب منطقته وناحيته وبيئته . وأسجل هنا ملاحظة؛ وهي أن معظم العادات تكون حسب المنطقة التي قدمت منها الزوجة إذا لم تجد قبلها حماة أو امرأة كبيرة لتقلدها فهي تطبق عادات أسرتها التي تربت عليها: (وهذا طبعا يحدث اليوم أما في القديم لا نجد هذه الظاهرة لأن معظم الزيجات تكون من الأهل ومن المنطقة ، نادرا ما نجد زيجات غريبات عن المنطقة وإن وجدت فعلى تلك الزوجة ان تسأل عن عادات المنطقة لكي لا تبعد أسرتها وابناءَها عن عادات أهلهم.

 

عادات وتقاليد أوراسية في عاشوراء:

01 بعض الممنوعات: الابتعاد عن: الخياطة والتطريز والترقيع والنسيج (علبة الخياطة تغلق نهائيا لمدة أسبوع) بدعوى أن من تقوم بالخياطة ستصاب يداها بالرجفة أو الرعشة في كبرها ـ المنسج يغطى ليلة عاشوراء، ولمدة أسبوع كذلك ـ يمنع السفر كيفما كان؛ قريبا أو بعيدا ـ ممنوع عقد القران واحياء الأعراس فمن أحيا عرسا أوقرانا في (عواشير )عاشوراء سيعيش حياة شقاء وينجب أطفالا بعلل كثيرة وبٌلهاء ـ عند أكل التمر لا يرمون نواه ـ لا غسل ولا استحمام ـ لا يمشش اللحم يعني لا يعرى العضم ـ لا تكنس البيوت ـ خاصة في الليل ـ وإن كنست تترك المكنوسات في ركن من البيت بحيث لا تداس . (يرمى في الصباح الباكر، قبل طلوع الشمس)، ممنوع غسل الملابس واستعمال الصابون ـ الكتابة أيضا ممنوعة على الرجال والنساء تجنبا للرجفة أو الرعشة في الكبر ـ يمنع أي نوع من الصيد خاصة صيد الحمام وهناك من يحرم أكله نهائيا ويقولون كيف نأكل من حمت الرسول (صلع) من الكفار ،كما يحرمون قتل العناكب، و يحرم القتال إلا عند الضرورة القصوى كالدفاع عن الوطن أو النفس والأرض والعرض. (ربما هذه الممنوعات جاءت من تسمية الشهر ـ محرم ـ )

ـ عادات تمارس في عاشوراء: زكاة المال ـ الذهب ـ الفضة ـ الماشية ـ الحبوبـ الغلل ـ الزيوت ـ العسل كلها تخرج في يوم عاشوراء، وعند الكيل يكون الشخص الذي ستسلم له ـ الزكاة حاضرا ويتم الكيل أمامه مع حضور بعض الكبار من الأهل أو من الأعيان خاصة إن كان من المزكين الأغنياء لكثرة مواد التزكية، وإن كانت ستسلم ليتامى صغار أو لأرملة يحضر وكيل عنهم، أو يكلف أحد من الحاضرين بتوصيلها ـ خاصة في الحبوب ـ.

في ليلة عاشوراء تقوم النسوة بتخضيب الحناء للبنات ـ وفي الصباح  تستيقظ ربة البيت باكرا قبل طلوع الشمس ومنهم من يغزلها قبل البدء في عطلة عاشوراء لتقوم بغزل خيوط وتصنع منها أساور لكل أفراد العائلة الصغار ذكورا وإناثا وتبقى إلى نهاية الأسبوع، ويتنافسون من ستبقى أساوره نظيفة وغير مقطعة ليفوز “بحبة” حلوى تسمى تالي تهوا (تطلع وتهبط) وهي على شكل كرة صغيرة مخططة فيها مطاط يلعب بها الفائز إلى أن ينقطع المطاط فيأكلها وهو فخور بفوزه .

بعد لبس الأساور تحضر الجدة أو الأم الكحل لتكحل للجميع كبارا وصغارا ، ثم تأتي بمقص وتقص قليلا من ضفائر البنات، بدعوى تزكية الشعر وليزداد طوله بسرعة، ويقمن بدفن ذاك الشعر في حوض شجرة إن وجدت شجرة السرو أو الصنوبر أو نخلة وهي الأفضل لأنها الأطول . أو يرمى في ساقية ليزداد طول شعر صاحبته أكثر؛ أما الأطفال الذكور فتحلق رؤوسهم وبنزع كل الشعر _ وهناك من يقوم بتقليم النباتات والأشجار ـ تقليم الأظافر ـ تفتح جميع النوافذ والأبواب الموجودة في المنزل حتى أبواب الخزائن ليدخل عليهم الخير الكثير خاصة في الصباح يقولون بأن (قسام الأرزاق عندما يمر ليقسم الأرزاق يجب أن يجد الأبواب مفتوحة ) ومن وجد بابه مغلقا فلن ينال من ذاك الرزق ويبقى محتاجا مغبونا طول السنة.

 

عادات تحضير الطعام في عاشوراء

في ليلة عاشوراء تحضر ربة البيت القمح وتقوم بطحنه ، وتحضر التوابل ، ورب البيت يقوم بذبح الشاة وهي المفضلة في عاشوراء ويجب أن لا تكون حاملا، أو يحضر تيسا أو جديا أو خروفا إن كان صاحب قطيع ، ويحضر ديكا أو دجاجا إن كان يملك دواجن (في العادة كل الأسر تقوم بتربية الدواجن)أو يشتريه من السوق حيا ويذبح صبيحة يوم عاشوراء.

في الصباح الباكر تستيقظ ربة البيت وتقوم بعجن الشخشوخة (الرقاق أُلَمسٍير للدشيشة أو “اتريذ” للشخشوخة ) ومن ذلك العجين تصنع قرصات “عشورة” في حجم الدينار لتضعها في مؤونة العائلة ، واحدة في وعاء (زراعة) القمح او الشعير أو في كل مزود من مزاود الدقيق(هاشلوث أو هاقباط) وأخرى في الملح وفي زير العسل والدهان ـ الزبدة ـ وفي وعاء الفول وفي الفلفل الجاف والطماطم الجافة و تفتل الكسكسي وتضعه جانبا ثم تقطع اللحم وتحضر الخضر التي ستقوم بطهوها سواء للشخشوخة أو البربوشة ـ الكسكسي ـ أما إن كانت ستحضر الدشيشة فعليها أن تحضر “المرمز” المطحون أو الفريك و الفول المقشر اليابس  وقد تضيف بعض القديد مع لحم الدجاج . وهناك الكثير ممن يصنع “شخشوخة الرخسيس”، يعني المحكوك ـ أو أم ارزايم بالبيض المسلوق (بازين) تختلف التسميات حسب المناطق الأوراسية .

وفي المساء يركزون على ما هو حلو كالبغرير ـ لغرايف (هوضفيست بالزبدة والعسل أو السكر ) أو تحضير الرفيس او زيراوي ، أما تحضير طبق المكسرات فهو ضروري بل إجباري (القشقشة) ويجب أن يحتوي على سبع أنواع من المكسرات والحلوى ،معهم التمر والتين الجاف (للأطفال توضع في أكياس صغيرة من قماش دون أن تُعد ليقوم كل طفل بفتح كيسه أورزمته (كموسة) إن وَجَدَ عدد أنواع محتوى كيسه سبعة أنواع فله جائزة؛ وهي عبارة عن حبة حلوى كُروية مخططة يخرج منها مطاط يلعب بها الطفل، تسمى (تالي تهوى، تصعد وتهبط إلى أن ينقطع المطاط حينها يأكلها وهو فرح بفوزه على أقرانه أو إخوانه)  مع تحضير طبق الفواكه الموسمية وهذا ضروري أيضا ان يحتوي على سبعة أنواع من الفواكه، ولهذا نجد العائلات تدّخر الرمان، والتفاح والتمر من النوع الجيد (دقلة نور، أو لمكنتيشي، أو تانطبوشت، أو هاكسيبا …الخ) وكذا التين الجاف والزبيب .

أما الشباب فيقضون اليوم مع  لعبة (شايب عاشورة ،  وكمثال منطقة “تكوت” عُرفتْ بإحياء هذه اللعبة قديما والتي تمثل الأصالة والأرض والعرض ، وهي عبارة عن مسرحية تتنقل بين الأحياء بأهازيج خاصة ، أبطالها هم : (مريومة التي تمثل الأرض والعرض محاطة بجنود حماة لها، وأسد يريد افتراسها يعني الاستلاء على الأرض، و لكن يُصد من طرف حماتها وهم جيشها وشعبها، والبعض يقول: بأنه يعبر عن القوة والحماية لها ولا أحد يستطيع الاقتراب منها) واليوم تم انتشار هذه اللعبة في معظم ربوع الوطن وفي كل منطقة تسمى باسم مخالف لاسمها الأول، حتى أنها وصلت إلى المغرب وتونس وليبيا ،و حيث يوجد الأمازيغ توجد هذه اللعبة الرمزية المعبرة، أو هذه العادة التي أصبحت تلعب في كل الأعياد والمناسبات الفصلية كَيَـنّار (رأس السنة الفلاحية الأمازيغية) وعيد الربيع (هفسوين) وعيد الخريف (ألام أجليذ) في تكوت مثلا . وهناك من يضيف لجمال أعيادنا الشعبية المتوارثة عبر الأجيال رونقا آخر وهي الفروسية والفنتازية أو الفنتازيا على شكل استعراضات ومسابقات مصحوبة بطلقات البارود المدوية ، وقد يضاف لها حلاوة أخرى وهي تقديم رقصات (الرحابة) المتبوعة بأهازيج وأغاني تراثية مشوقة وزغاريد من فحلات أوراسيات .

هكذا يبقى الاحتفال متواصلا لمدة أسبوع، بعدها يعود كل شيء إلى حاله.

دامت أفراحنا بعاداتنا الجميلة المتميزة ، ودامت “لمّتنا” ووحدتنا وحبنا لهذا الوطن الغالي المفدى . دمتم.. وعيدكم مبارك وسعيد ودامت الأفراح والمحبة.

 

فاطمة يحي باي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق