كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح8

تتمتع هذه المستشفيات التي لم تشهد الاستقرار في المكان والإطار الذي يشرف عليها نتيجة ظروف الحرب بنظام إداري محكم وصارم رغم تواضعها وطابعها الثوري، مما يستدعي في كل مرة اللجوء إلى أماكن آمنة وكذا تكليف مسئولين جدد عليها كلما استدعت الحاجة وذلك لضمان استمراريتها، وهي مقسمة في شكل قاعات (أكواخ) كالتالي:
ـ قاعة العلاج، قاعة الطبخ، قاعة النوم، قاعة التموين، وقـاعة للحراسة.
وتتمثل مهمتها في استقبال المرضى والمصـابين فقط، ولا يسمح لعناصر الجيش الذين تحددت مهامهم في الحراسة فقط اقتحامها.
كانت الفتاة مختلفة جدا، كما كانت تمتاز بمؤهلات وكفاءة عاليتين، وكان الكل يشهد لها حسن العناية بمرضاها وشجاعتها في إنقاذ المجاهدين المصـابين وإخلاصها وتفانيها في عملها إلى جانب الفرق الطبية الأخرى عبر مناطق وجبال الولاية الثانية بكل من السطاح، أولاد جامـع ، حجر مفروش، جراح و زقار بالقل، مشاط، بني مسلم وأولاد بوفـاهة بالميلية، بوعزة و أولاد عافر بالطاهـير، بوحنش و قروش و بني خطاب بتاكسانة بجيجل، البابور بسطيف، بوحلفة بالعلمة و بوداود بميلة.
كما ساهمت في تكوين ممرضين ومساعدين اجتماعيين بالإضافة إلى ممرضـات ومرشدات، وذلك لتغطية النقـص الموجود في هذا التخصص وبالتالي سد حاجيات الثورة في مجـال الإطار الطـبي. و هي التي كانت مشحونة بطاقة من حديد وبإيمان راسخ لم تزلزله المتاعب، مستندة الجبال، متحدية القوى الإستعمارية ، لا تهـاب الموت ولا تأبه بالمخاطر ..!
لتتشكل بذلك وبصورة طبيعية النواة الأولى للنظام الصـحي تحت مسؤولية لامين خان بالولاية الثانية التي كان يشرف عليها آنذاك زيغـود يوسف، انطلاقا من مستشفى عزوز حمروشي في منطقة جيجـل، والتي ظلت تمثـل العمود الفقري للثورة في هذه الولايـة التي لم يول قادتهـا ومجاهدوها الأهمية للتنظيم الخاص بالرتب العسكرية، و تركز العمـل بها أساسا على احترام المسئول والمهام المنوطة بكل واحد.
ولأن النظام الصحي ظل منذ انطـلاق الثورة في الفاتح من نوفمبر 1954، غير موجود وكذا الشأن بالنسبة لتكوين الإطار الطبي، وخلال هذه الفترة من بداية الثورة 1954- 1956، شهدت الوضعية معاناة كبيرة وحاجة أكبر لهذا الجانب الحساس والرئيسي، امتدت إلى غاية الإضراب العام للطلبة في ماي 1956، هؤلاء الذين التحقوا بإخوانهم في صفوف الثورة وقدموا نفسا آخر للنظام الصحي عن طريق عدد كبير من الطلبة المختصين في المجال الصحي والصيدلاني، بالإضافة إلى طلبة الشبه الطـبي الذين التحقوا بدورهم، ليتحقق بذلك إنشاء النواة الأولى له خلال الثورة ،بحيث كان لهؤلاء الفضل في السهر على مسؤولية النظام الصحي، وقـد
تركزت مهمتهم الأسـاسية في دعم و ضمان تقـديم المساعدات الطبية اللازمة و الضرورية للجرحى من المجاهدين، أثناء الاشتباكات والمعـارك، وكذا باتجـاه جزء كبير للجانب المدني من الشعب، و ذلك من خـلال الخرجات الطبية المبرمجة و المنظمة للمرضى دوريا عبرالقرى والأريـاف وفي الجبال عند الحاجة أو لفائدة المصابين بعد عمليات التمشيط و القصف الجوي التي كانت تنفذها القوات الفرنسية بين الحين والآخر، إضـافة إلى القيام بتقوية الحس الوطني والرفع من معنويات شتى أفراد الشعب .
لقد مر النظام الصحي بعدة مراحـل تاريخية شكلت أصل و صلب تطوره التاريخي من خـلال التغيير النوعي الذي طرأ عليه بعدما ظـل في البداية لا يتعدى مجال الخدمات والمساعدات الأولية.
وقد كان للمختصين في المجال الطبي الذين التحقوا بالثورة دور كبير في إنشـاء العديد من المستشفيات، والتي كان أولاها بالولايـة التاريخية الثانية ،كانت عبارة عن مستشفيات نموذجية في البداية، وخـلال هذه الفترة، شهدت الجبهة الداخلية زيادة في عدد الجنود الفرنسيين في جميـع المستويات والأصناف العسكرية البرية والبحرية وكذا الجوية.
في هذه الأثناء أملت الضرورة الانتقـال إلى ما يسمى بالمستشفيات المتنقلة،التي كان الهدف الأساسي منها هو تجنب استيلاء العدوعلى الأدوية والتجهيزات و الوسائل الطبية في حالة اكتشاف بعض المراكز.
وبالمقـابل قامت السلطات الاستعمارية ولاجـل القضاء على هذه النواة الصحية الهـامة، بتشديد الحراسة على الحدود، وذلك لمنـع دخول وجلب المنتجات ذات الطـابع الطبي الموجهة للجزائر، ومصادرتها قبـل وصولها بين أيدي المجاهدين ، بحيث تم ضبط عدة حـالات على مستوى قواعد الدعم و الإسناد للثورة في مجال التمون بالأدوية و العتـاد الصحي الذي كان يصل عبر الحدود الشرقية والغربية.
وبعد التضييق على الإطار الصحي خلال حرب التحرير، وذلك منذ سنة 1956، ونتيجة للظروف الصعبة التي يعيشها المهجرون والـلاجئون، صار من الضروري على جبهة التحرير الوطني لعب دور آخر في التعريف الجزائريون بالقضية الجزائرية لكل شعوب العـالم،والظروف الدرامية التي يعيشها ويقاسيها الجزائريون داخـل البـلاد نتيجة السياسة المؤلمة المتبعة من طرف الإدارة والجيش الفرنسي، و التي دفعت بكثير من الجزائريين إلى اللجوء للبلدان الصديقة وخاصة المغرب وتونس.مما حتم إنشاء هيئة للنظام الصحي مهمتها الأساسية تتمثل في لعب دور نضـالي وإنسـاني، لغرض الحصول على الدعم اللازم والضروري للتكفل باللاجئين وإدماجهم.
فتم إنشاء الهلال الأحمر الجزائري سنتين بعد انطلاق الثورة،وأضحى من أهدافه الواضحة ضرورة التواجد من أجـل خدمة إيديولوجية الجبهة، والتي تهدف إلى تنويرحكومات العالم بالوضعية المأساوية للشعب الجزائري وإعلامهم بالآلام التي يعيشها بعدما تم اتخاذ المغرب مكانا رسميا لهيئـاته، لينتقل فيما بعد، أي سنة 1957 إلى تونس بأمر من لجنة التنسيق والتنفيذ، حيث تم تكليفه بتنفيذ أوامر الجبهة والتنسيق مع الصليب الأحمر الـدولي الذي لقي دعما كبيرا منه، فواصل نشاطه من خلال مطالبته المستعمر الفرنسي احترام الأعراف والقوانين الدولية التي ظل يخرقها ويضرب بها عرض الحائط، وإشعار المجتمع الدولي بخصوص حرب الإبـادة التي يتعرض لها شعبه، وسيـاسة الأرض المحروقة في القرى و المدن التي ظل ينفذها المستعمر الفرنسي دون رحمـة وبغير وجه حـق وذلك بهدف إفراغ الثـورة من محتواها، والذي يمثـل الشعب أساسها وسندها.
وقد شكلت المـرأة خلال الثورة الجزائرية عاملا مهما إلى جانب الرجـال، وحملت مسئولية ومهاما كثيرة في دعمها للزوج، الأخ، الابن، وكل أفراد العائلة، الحاملين للسلاح ضد المستعمر الفرنسي بشجاعة رائعة، أثبتت أنهـا تمثل النفس الآخر للثورة،كما أدت مهامها ودورها بوفـاء إلى جانب أخيها الرجـل،فكانت بمشاركتها القوية في الثورة التحريرية جدار حماية ودعم متقدم في القرى والجبال والأرياف.
واذا كانت المرأة الريفية نجحت في لعب دور ميداني وفك الحصار عن المجاهدين، من خلال المهام الموكلة إليها وحاجة الثورة إليها،إذ تحملت أعباء الثورة في الجبال، القرى، والمداشر والأرياف.
فإن المرأة في المدينة من جهة أخرى أدت واجبها الوطني ولعبت أكبردعم لإنقاذ المجاهدين وكذا الفدائيين و المسبلين داخل المدن، أين تتمركز أجهزة الرقابة والشرطة، التي تقـوم بالحراسة والمراقبة والملاحقة المستمرة والدائمة لكل ما هو يتحرك ، لهذا فإنها أخذت مكان أخيها الفـدائي في الطالبة الجزائرية إلى جانب رفاقها تمارس مهامها دون عناء في إنقاذ المصابين خلال حرب التحرير.
والكثير من المهام المعقدة والخطرة، وقد أخذ نشاط المرأة الجزائرية خـلال الثورة عدة أشكال منها:
ـ أعضاء في التنظيم المدني لجبهة التحرير، إذ كلفن بمهام سياسية وإدارية وكذا جمع الأموال أو فدائيات.
ـ أعضاء عسكريين، وهن النساء الـلائي ألحقن بجيش التحرير الوطـني وهن قلائل، وقد أسندت لهن مهام أساسيـة مثل التمريض، المساعدات، الطبخ و العمل المسلح. وكما في الجبال، المـرأة في المدينة نجدها كذلك، عضوة، فدائية ومسبلة.

يتبع..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق