كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح5

فكان إيمانها يكبر يوما بعد يـوم، كلما تصفحت الجرائـد الفرنسية اليوميـة التي كانت تشتم الجزائريين، أو عاتبتها إحدى زميلاتها الفرنسيات على مصاحبتها للطالبات الجزائريات، وعاتبتها إحدى زميلاتها الفرنسيات على مصاحبتها للطالبات المسلمات بداعي أنهـا أحسن منهن، فكان شعورها يزداد كرها وبغضا وحقدا على كل ما هو فرنسي.
ولأن حب الوطن من الإيمـان، ظلت بتول الأوراس تقتفي ببراءة العذراء آثار الثورة بدل الثروة، فكانت لوطنها الثـائر صديقة بصدق، وظلت تعبد بعد الله أرضا اسمها الجـزائر في ثورة هادئة هدوء الثـائر،لم تختف ولم تهـاجر ولم تجعل الاستعمار مطية كي تسافر أو تغـادر، ولما كانت تحن إلى دفئ الأوراس، ظلت تتردد مع عائلتها على نقاوس لمعرفة جديد الثورة والثوار .
ورغم إلحاح أمها بالزواج لما كثر عليها الخطاب، إلا أنها فضلت غلق الباب وعدم مناقشة هذا الموضوع بتاتا، لأن الذي كان يراودها كان أكبر وأعظم، فكانت ترد عليها وهي تراها تبتسم لظنها أنها غير جادة فيما تقول، بصدق و وعي الفتاة التي فصلت في اختيارها: …أنا لن أتـزوج… سألتحق بالثـورة… وأدافع عن وطني.
ومن دون شك تكون البطلة في هذه المرحلة الحاسمة من عمرها قد عرفت الكثير من الحقائق و تعلقت ببعض الأفكار التحررية التي تنادي بها الأحزاب الوطنية آنذاك، كحركة انتصار الحريات الديمقراطية وأحبـاب البيان، وهي التي كانت تحلم أن تكون طبيبة، وقد زادها كرهـا لفرنسا عندما قرأت عن شعـار الجمهورية الفرنسية الخادع والخيالي بمصطلحاته الثلاث الحرية و المساواة والأخوة و درست عنه.
ولكن كم كان يحزنها ويؤلمها غيابه على أرض الواقـع في يوميات الشعب الجزائري وبعده الكبير عن كل معاني الإنسانية الطاهرة، وهنـاك فهمت أكثر ما كان يدور في رأس فرنسا ، وهي التي لم يتذوق جسدها العطر الباريسي بعدما أدركت أنه لا معنى لذلك وأن الطهارة لا تكون إلا بعطر الوطن الأصيل .. !
والأكيد كذلك أنهـا تكون قد احتكت وتعرفت في هذه الثانوية وبالثانوية المجاورة محمد القيرواني حاليا، إضـافة إلى رفيقاتها، على نخبة من رجال وأبطـال كثرشكلوا فيما بعد مخزونا ظلت تتغذى منـه الثورة وتدعمت به أركان الدولة المستقلة انطلاقا من هذه المشتلة التاريخية، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أمثال: كاتب ياسين، محمد الصديق بن يحي، عبد المالك بن حبيلس، عبد السلام بلعيد، طالب الإبراهيمي، بشير بومعزة، عبد المجيد علاهم .. إلخ

اندلاع الثــورة.. وانخراطها في النضال السياسي
ولأن الثورة تولد من رحم الأحزان،فقد أقبل شتاؤها قاسيا وكانت رياحه العاتية قد أخرجت للوجود سيمفونيتها المعجزة، التي ظلت تطلقها لتجتاح السهول المقفرة فتملأ الدنيا بأنينها وتسكت بها جميع الأصوات ، حتى أصوات الديكة مع مطلع كل فجر .. نطق الرصاص فما يباح كـلام ..!
وراحت الديار بالمدن والأكواخ المهترئة الملتصقة بضلوع الجبال بلا خوف لا تبـالي أزيـز الطائرات ومخططات شـال وموريس وبابـان ولاكوست و سوستال والآخرون .. تلد الأبطال من الرجـال والحرائر بالآلاف وباستمرار وهي تتطلع بذلك إلى أفق بعيد ..!
تشاء الأقدار أن تصمم الطـلائع الثورية مواصلة الكفـاح المسلح وتقرر تفجير الثورة التحريرية المجيدة ليلة أول نوفمبر 1954،كانت ياسمين في الـ 16، كانت حينها كزهرة عباد الشمس تتبع أحداث الثورة بكل تفاصيلها أينما كانت . فظلت الأحداث تكبروتعظم في عينيها..كانت في تلك المرحلة عظيمة الهيبة تنبض عيناها بالوداعة واللطف، لكنها احتقرت الحياة ولم تجد سوى حنو صدر الثورة فهمت بالثورة وهمت بها، فانشرح لها صدرها في سن مبكرة بعدما تأكدت أن أسطورة فرنسا التي لا تقهر، ما هي إلا ضرب من الخيال والأوهام، فبرهنت عن وعيها وكفاءتها وأثبتت أنها جديرة للقيام برسالتها النضالية، فراحت بعدما أدركت أن أمامها رسالة سامية يجب أن تقوم بها على أحسن وجه، سباقة تلعب دورا هاما في التعبئة السياسية والتأهب الثوري في أوساط الطلبة و في تنتقلاتها بين الأحياء والقرى في سطيف والمناطق المجاورة، مستغلة بذلك علاقات الدراسة التي تربطها بالكثير من الطلبة والطالبات، فتقـوم بشرح وغرس القيم الوطنية وتشجعهم على التمرد ضد المستعمر، وهي تلتهب وطنية وتتدفق حماسا.

إضراب الطلبة الجزائريين عام 1956… والتحاقها بالثـورة
وما إن بلغت الثورة مرحلة الفطام حتى بلغت معها الطالبة مريم يقينا وإيمانا بأن الطريق إلى الحرية يمر حتما بالكفاح المسلح، وأن التضحيات يجب أن يكون وقودها الجثث والأجساد الطاهرة، وهي التي من طينة قوم يحبون الموت أكثر ما يحب الفرنسيون الحياة.
تشاء الأقدار أن يصادف ذلك إضراب الطلبة الجزائريين يوم الـ 19 ماي 1956، فتقرر بطلتنا سباقة ضمن الطلائع الأولى رفقة مجموعة من الطلبة والطالبات، بألا يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه الآلام المرعبة التي يعانيها شعبهم المجاهد، بعدما غادروا مقاعد الدراسة مبكرا و بشكل غير متوقع، والتحقوا بالثورة لتدعيم هياكلها في المدن والجبال ليكونوا بذلك نبضها الدائم.
اعتنقت الطالبة القضية بقوة وحكمة، وبنوع من العزة والإحساس الوطني والاستعداد الثوري، راحت تلعب دورا كبيرا وهي تتصدى بجرأة للجميع وتحرص على الابقاء على أبواب الثانوية مغلقة طيلة أيام الإضراب، كما ظلت تقوي العزائم و تشحن الهمم و تعمل على تعبئة و حشـد الطلبة وتحثهم على العصيان و مواجهة العدو و بالتالي دمج الطبقة المثقفة في الثورة المسلحة، وقـد نجحت في ذلك بعدما استطاعت تشكيل الخلية الأساسية الأولى للطالبات المكونة من : حورية مصطفاي، مليكة خرشي وفطيمة بن سمـرة، تدعمها في ذلك أختها ليـلى. وكانت تزودهن بمختلف الوسائل جرائد، مناشير وجهاز مذياع كانت تداوم من خلاله على الإستماع للخطب الحماسية المؤثرة لصوت العرب رفقتهن دوما.
وبعد مضي شهوررفقتهن في هذه المهمة السرية الناجحة بدعم كبير من أختها ليلى، دخلت ياسمين مع عناصر البوليس الفرنسي الذي ظـل يطاردها ويكثر من استنطاقها و إزعـاج أسرتها، في مواجهات مستفسرا عن أسبـاب تركها الدراسة وهي التي من عائـلة مستواها الإجتمـاعي يحفزهـا على المواصـلة وليس العكس، فكانت ترد عليهم الطـالبة: …لا أريد ان أدرس.. أنا حرة.. أعمل ما أريد.. لستم أوصياء علي.. لدي والدي.
في هذه الأثناء يزداد إصرار ياسمـين في الالتحاق بالجبل، بعدما أدركت أن أخاها محمد المدعوكوكو الذي التحق مبكرا بالثورة بأدغال الأوراس، ليس أفضل منها، فتدبرت أمرها بنفسها بعدما نفذ صبرها في إقناع خالها الدراجي طبيب جيش التحرير لمساعدتها في ذلك ، وبخاصة عندما كانت تطلب منه أن يسمح لها بمساعدته حتى تتعلم فربما احتاجت لها الثورة في يوم ما، والذي ظل يرد عليها في كل مرة: …الثورة للرجال… أنت صغيرة يا بنتي… حياة الجبال صعبة.. الجوع و البرد.. ولا يقوى عليها ويصبر على قساوتها إلا الشجعان ..!
فكان أول ما بدأت به دخولها في نظـام جديد يبعدها عن الحياة السهلة و يقربها من ظروف الحرب، حيث راحت تعود نفسها النوم على الأرض بعدما تخلت عن السرير.

يتبع…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق