كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح6

الحلقة السادسة

في إحدى الليالي الليلاء من شتاء نفس العام، ومع مطلع شهر ديسمبر بلغها اتصال من الجبهة،لم تنـم ليلتها وراحت تحـدث نفسها: …سـألتحق بالثـوار في الجبـــال.
في هذا الوقت كانت أكـثر المناطق أمنا بالنسبة للسلطات الفرنسية تفلت من رقابتها بمجرد هبوط الليل، حيث يأخذ الشعب دوره ويحجم المستوطنون عن مراجعة سلطة الليل القوية.
كان ذلك عن طريق الممرضة سعدية آيت سعيد زوجـة الكولونال، أوعمران التي كانت تشتغـل حينها بمستشفى سطيف، والتي التحقت بدورها بالثورة بالولاية الأولى.
وذلك بتوجيه من أخصائي الأسنـان الطاهر بواسديرة من منطقة جيجل، طبيب العائلة وجارها في الحي بسطيف، والذي ظلت تتردد عليه وتتلقى على يديه المبادئ الأولى في تقديم الإسعافات الأولية كما حضرت معه ترتيبات التحاقها بالثورة.
وفي الصباح انطلقت كالسهم في جنح الظلام تسابق طلوع الفجر رفقة أحمد علواش سائق سيارة أجـرة من سطيف، الذي نقلها إلى بيت مسعود زوقـاربالعلمة، لتلحـق برفقائها من المجـاهدين الذين كانوا في انتظارها.
وقتها كـان الضحى، راحت مريم تتأمل السماء وتتطلع إلى أفـق جديد سوف يغـير بدون شك مجرى حياتها ومستقبلها جذريا، إذ تنتقل خلاله من طالبة علم إلى امراة جهاد وقتال، وراح الصبح يستأنس بالآية الكريمة والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خيرلك من الأولى.
وذلك بعدما ودعت أختها الكبيرة ليلى وعانقتها للمرة الأخيرة دون علم والديها وبقية أفـراد أسرتها، والذين لم يعلموا بالأمـر إلا من خلال رسـالة تسلمها والداها فيما بعد من الطبيب الطاهر بواسديرة تخبرهم فيها التحاقها بالجبل، وقالت لها: …أدعوا لي بكرة وأصيلا.. وتأكدوا أن الوطن سيحيا بدمانا وسنسقيه من عروقنا روحا عطرة زكية.. وأن الاستعمار الفرنسي الذي بدأ في الجـزائر سوف ينتهي فيها وتكون له بذلك الجزائر مقبرته الأبدية…
ومن هناك توجهت رفقة إبراهيم أخ مسعود زوقار، وكل من علاوة بوخـالفة ورشيد بن نويوة زميـل شقيقها محمد في الدراسة، إلى مزرعة السعيد ديلمي بمنطقة تاشودة بالعلمة، أين كان في انتظارهم هناك مسؤول القسم بشاغة الدايخ.
وبعد المكوث هناك مدة 10 أيام، التحقت بهم ليلا 07 فتيات رفقة كـل من لحسن الزاوي صاحب مدرسة للسيـاقة من سطيف وصديقه لخضر بلهامي في سيارة لتجميع الحليب، وذلك بعد اتصـال بلغهن من ليلى أخت مريم، بعدما رتبت لهن هذه الأخيرة كل الأمور مع الأول، بعدما تأكد من استعدادهن التام لمشاق وخطورة العمل الثوري المسلح وصعوبته بالجبال حيث الجوع،البرد والثلوج ومواجهة الموت في أي لحظة.
فتنقلن بعدها مباشرة إلى مقر قيادة الولاية الثانية المتتواجد بدشرة جراح بالقل، ودلك رفقة عزالدين بن لمبارك الذي حضر إلى المكان إلى جانب مجموعة من المجاهدين لهذا الغرض، وذلك عن طريق البغال مرورا بجبال الحلفة فالميلية، ثم إلى الزويتنة بالطاهير عند عائلة عزالدين بن لمبارك.
ليتشكل بذلك أول فوج نسائي جله من الطالبات التحقن بالثورة بالشرق انطلاقا من سطيف مكون من مريم بوعتورة، زيزة مسيكة، مليكة خرشي، سامية كراغل،حورية مصطفاي، فطيمة بن سمرة، عائشة قنيفي خضرة بلهـامي، زبيدة زروق، خيرة زروقي، مايسة معيزة ويمينة شراد، إضافة إلى ليلى موساوي من جيجل، التي التحقت قبلهن بأيـام فقط من نفس الشهر بوادي ازهور وذلك انطلاقا من تونس.
تلاه فيما بعد فوج آخر من قسنطينة شهر جوان1957، يتكون من: فريدة مصالي، فاطمة نويوة، جميلة بن مهيدي، الأختين بن الشيخ الحسين مليكة ونعيمة، طوبـال حورية، لوصيف مباركة وبوزيدي يمينة من قالمة، رقية غيموز، بايث مسعودة، لويزة دبـاح من سكيكدة ، فاطمة ومليكة حمروش، سليمة محزم، فريدة قاصرلي زوجة عبد المجيد اكحل الرأس، والأخوات طرودي فاطمة، قمرة وبوبة، كما التحقت أخريات بعد ذلك على مراحل، إضافة إلى الأعداد الهائلة من الطلبة.
وذلك انطلاقا من الجامعات والثانويات وكـذا من معهد الكتانية بقسنطينة ومختلف المدارس التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت إشراف العـلامة الشيخ عبد الحميد ابن باديس، بالإضـافة إلى مدارس التحضير الإستشفائي والصيدلاني والمؤسسات الإستشفائية المنتشرة عـبر ولايات الشرق.
بحيث تم توجيه معظمهن للتمريض، في حـين إختصت أخريات في الإرشاد الاجتماعي الوقـائي وذلك بهدف التصدي للحرب النفسية التي كان ينتهجها المستعمر لغرض التاثير على الشعب الجزائري والقضاء على هويته، ومنه إفراغ الثورة من محتواها الحقيقي والذي يمثل الشعب السند والدعم الأساسي له، لينتهى الأمر بكثير من الطلبة والطالبات إلى تقلد مسئوليات ومهام كبرى خلال مسيرة الثورة .

جبال الشمال القسنطيني تعرفها.. والبحر والأرض والإنسان
النداء الصادر عن الطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956
أيها الطلبة الجزائريون
بعد اغتيال أخينا بلقاسم زدور من طرف البوليس الفرنسي، وبعد مصرع أخينا الدكتور بن زرجب وبعد فاجعـة الأخ إبراهيمي الطالب بمعهد بجاية الثانوي الذي أحرقته القوات الفرنسية بالنار حيا عندما أحرقت قريته التي رجع إليها في العطلة الدراسية، وبعـد إغتيال كاتبنا رضا حوحو الكاتب العـام بمعهد عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، وبعد التعذيب الذي لقيه الأخـوان الدكتور هـدام بقسنطينة وبابـا أحمد والطبال في تلمسان، وبعد إلقـاء القبض على زملائنا عماره، لونيس، صابر، تواتي، زروقي والمهدي، وبعد إخفاء زميلنا صبحي وبعد الاستفزازات التي شنهـا البوليس الفرنسي ضد منظمة الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، هاهـو البوليس ينتزع من بين أيدينا أخينا فرحات حجاج الطالب، والناظر بالقسم الداخلي في تجهيز ليسيه ابن عكنون مع مواصلة التعذيب ما يزيد على عشرة أيـام وما يتبع ذلك من مشاركة القضاء الفرنسي والإدارة العليا بالجزائر التي نظرت في هذه القضية، إلى أن وصلنا خـبر اغتياله من قبل البوليس بمدينة جيجل، إذن فالإنذار الذي سجله إضرابنا يوم 20 كانون الثاني يناير 1956لم يجد نفعـا.
إن التحصيل على شهادة زائدة قد يجعل منا جثة حقيقية.. لأي شيء تصلح؟ إذن الشهادات العلمية التي تمنح لنا في وقت يكافح فيه شعبنا كفاحا بطوليا، في وقت انتهكت فيه حرمات أمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا، في وقت يسقط فيه أطفـالنا وشيوخنا تحت رصاص الرشاشات وقنابل النابـالم، ونحن إطارات المستقبل، وماذا تحيط إطاراتنا ؟ ومن تحيطهم ؟ الخراب وأشلاء الجثث ؟ ومن دون شك جثث قسنطينة، تبسة، سكيكدة، تلمسان وغيرها من الجهات والمدن .؟
إن الوضعية التي نحن عليها لا ترضي ضمائرنا.. إن واجبنا ينادينا لآداء مهام عاجلة.. واجبنـا ينادينا إلى التضحية المتواصلة إلى جانب الذين يكافحـون ويستشهدون أحرارا مجابهين العدو . إننا نقرر الإضراب التام وبصفة عاجلة، ونقرر مقاطعة الدروس والإمتحانات إلى أمـد غير معين . ويجب مبارحة مقاعد الجامعة للالتحاق بصفوف جيش التحرير، يجب الالتحاق جماعـات بجيش التحرير الجزائري وبجبهة التحرير الوطني الجزائري.
الجزائر 19 أيار/ مايو/ 1956

يتبع…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق