كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح9

إن اختلاف مهامها جعل المستعمر الفرنسي يتفطن لدورها المهم في المجتمع ودعم الثورة، فسلط عليها مختلف أشـكال التعذيب والضغوطات والإرهاب. كما أن المسؤوليات الهامة والثقيلة و المهام المهمة غيرت مجرى المرأة الجزائرية خلال الثورة وجعلتها تنتقل من أدوارهاالثانوية إلى الأدوار الأساسية التي ينتظرها منهن المجاهدون، وقد واجهت جراء ذلك صعوبات كبيرة كـ امرأة، مما دفع بالإدارة الاستعمارية إلى تخصيص سجـون لها وذلك للحد من أهميتها في الثورة، والقضـاء على النسيج والتحدي الاجتماعي الذي يرتكز على المرأة والذي لم يتمكن من تحقيقه.
إن السجون التي أنشأت بالجزائر أو بالخـارج ليست للرجال فقط بل نالت فيها المرأة الجزائرية نصيبها خـلال حرب التحرير، فقد كانت خطرة جدا على النسـاء الجزائريات وصعب على المـرأة تحمل ظروفها القاسية، وقد مثلت نسبة السجينات 16% فقط سنة 1956.
إن معاناة المـرأة نتيجة الضغوطات والتعذيب، تركت آثـارا سلبية عميقة عليها ليس بالاستطاعة قياسها ومعرفة حجـم تأثيرها عليها و هي التي لم تشهدها أي حرب،وذلك اثنـاء عمليات المـداهمة والتمشيط في الجبال والأرياف وعبر المدن، وكان نتيجة ذلك تسجيل حـالات نفسية معقدة ظلت تلازمها جراء الرعب، التعذيب والصور التي لا تزال عالقة بأذهانهن ممـا قاسيناه من ذكريات أليمة بقيت لصيقة بذاكرتهن، هذه الآثار السلبية أثرت في حياتهن اليومية كثيرا، وكانت النتيجة أن كثـيرا من النساء سقطن شهيدات الواجب مثل حسيبة بن بوعلي ومليكة قايد.
وقد توصلت الباحثة الجزائرية جميلة عمران من خلال دراستها المرأة الجزائرية وحرب التحرير الوطنية ما بين 1978 و1979 اعتمادا على سجلات وزارة المجاهدين إلى تقديم احصائيات تقريبية، لأن كثيرا من المناضلات لم يطلـبن شهادات إثبات النضـال، وذلك راجـع لانشغالات اجتماعية بالدرجة الأولى على عكس المناضلين الرجـال ، وأشـارت الدراسة إلى المرأة الجزائرية أكثر حزما في مواجهة المستعمر الفرنسي بالدرجة الأولى على عكس المناضلين الرجـال، وأشـارت الدراسة إلى إحصاء 10949 مناضلة من بين336748 مناضلا، ويأتي توزيعهن كالتالي: 9194 مناضلة مدنية و1755 مناضلة عسكرية.
كما أفادت هذه الاحصائيات الأولية أن نضال المرأة يطغى خاصـة في المناطق الريفية، بحيث أن نسبة 78 بالمائة من بين 8796 مناضلة داخل الجزائر انطلق نشاطهن من الأريـاف مقابل نسبة 20 بالمائة من المـدن .
وهذا ليس تقليلا من دور المناضلات في المدن لكون عدد الجزائريين سنة 1954 لا يتجاوز7643 الف نسمة منهم 1397 الف نسمة بالمدن في التجمعات السكنية الكثيفة بمعدل 18.40، أما الباقي فكان بالأرياف.
“وهكذا صنـع الجزائريون شبكة بالغة الدقة والقوة أقلقت فرنسا، وخلقت الرعب في جنودها..شبكة ضمت جميع فئات الشعب، من أطفال إلى شباب، مضاف إليها العدد الهائل من النساء الـلائي غـيرت الحرب التحريرية نفسياتهن وأطلقتهن في صميم المعركة مجندات لا يهـبن الموت، إنهن في كل مكان في المدينة، والقرية، و أعالي الجبـال مع المقاتلين يحملن السلاح، فهذه سكرتيرة لقائد وتلك ممرضة، وأخرى ناقلة للعتاد، والطعام وغيرهن كثيرات، ممن يعملن في المخابرات، وتقصي الأنباء”.

تفوقها في التمريض والرماية وركوب الخيل
ألقت ياسمـين بنفسها وخرت في محراب الثورة والجهاد، بعدما وجدت نفسها ترتدي البزة العسكرية، و قد تم تعيينها بالولاية التـاريخية الثانية الشمال القسنطيني في ديسمبر 1956م تحت إشراف كل من لخضر بن طوبال، علي كافي، علاوة بن بعطوش، صالح بوبنيدر المدعو صوت العرب، عبد المجيد كحل الرأس، ولمين خان، فراحت تودع أنوثة النساء والحياة الناعمة، لتصنع لوطنها تاريخا مقدسا ولنفسها بطولات نادرة ومميزة على غرار فحول الرجال والأحرار بالقرى والمداشر والجبال. بثقافة كبيرة وروح تضحية عالية في ميادين القتال، وهي التي ظل لايغريها بريق المسؤوليات والرتب مثلها مثل رفقائها في السلاح في الولاية الثانية.
في هذه الأثناء من عمر الثورة يزيد عنفوان الحرب اشتعالا، و تزداد معه ياسمـين قوة وصلابة وشجاعة وتحد بصورة نادرة وخارقة في ميادين القتـال ليس لها مثيل،كانت الوحيدة من بين رفيقاتها التي كانت تحمـل مسدسا من نوع 09 ملم بالإضافة إلى رشاش من نوع مـات 49 آنذاك، وهي تؤدي مهمتها النبيـلة مهابة بصرامة وفخر كبيرين مع رفقائها عبر مستشفيات التمريض لجيش التحرير رغـم محـدودية إمكانياتهـا، تحت الإشراف المباشر لكل من الدكتور لامين خان والبروفسور محمد التومي الذي التحق بالولاية الثانية أواخر سنة 1957 قادما اليها من من تونس كمسئولعن الصحة في القاعدة الشرقية حيث استخلف الدكتور النقاش ، وذلك بكل من أولاد عسكر، البابور، أولاد جامع بجيجل، وادي الزهور بسكيكدة، عين جوهر، بني عزيز بسطيف، أولاد عـافر والسطاح بميلة، أوخلال عمليات الفحص الدوري للجنود بمختلف مناطق الولاية إلى جانب كتائب جلب الأسلحة من تونس وكـذا لفائدة الجانب المـدني، وذلك لمختلف فئات الشعب بالقرى والمداشر و الجبال بالولاية الثانية.
كما ساهمت بجهد كبير في إنجاز وتهيئة مستشفى مورجو بالقل الذي تم عن طريق البناء الجاهز من الخشب، وصـار يستقبل أعدادا هـامة من الجرحى و المرضى، والذي احتارت له فرنسا بعد اكتشافه للطريقة التي تم إنشاؤه بها، فعمدت إلى تدميره بعدما قامت بتصويره.
كما كانت كلما بلغها أمر سقوط جرحى جيش التحرير في ميادين القتال في مناطق نائية وعلى مسافات بعيدة ، لا تتوانى في قطـع مسافات كبـيرة تشق خطوط النـار تحت القصف وأثناء المعـارك متحدية العدو ومراكزه المنتشرة، بلا خوف وبجرأة عالية ، لتقـديم الرعاية الطبية الكافية وإجراء العمليات الجراحية البسيطة أو المعقدة لهم إن تطلب الأمـر ذلك، فكانت تعالج الكسورالخطيرة، وتقوم بعمليات إخراج الرصاص والشظايا، وكذا خياطة التمزقات والإصابات الكبيرة بتفوق ورفق وعطف كبـيرين في مستوى الجراحين والمختصين، دون أدنى حـرج أوعناء يذكـر فكان الشفاء حليفها.
وفي إحدى رسائلها التي كانت تبعث بها إلى خالها الدراجي كتبت له تقول: ..في الجبل صاروا ينادونني عبد القادر باسم أبي .. صرت طبيبة أحسن منك، أمارس مهـنة الطب بتفـوق عال، أجري العمليات وأنزع الرصاص، كمـا كانت تقوي من معنويات مصابيها ومن ثقتهم وتهيئ لهـم أمكنة الراحة وتؤمنها عبر المخابئ وتمدهم بالمساعدة مهما كانت صعوبتها ، حتى أنه في إحدى المرات طلب منها أحد المجاهدين المصـابين وهو على مشارف الاستشهاد بعدما قدمت له العلاج الضروري، إن كان بإمكانها أن تحضر له قليلا من اللـبن، فما كان منها إلا أن أخـذت معها رفيقتها حورية طوبال، قاطعة حوالي خمسة كيلومترات كاملة بين الشعاب مشيا على الأقدام، غير آبهة بمراكز ودوريات الجيش الفرنسي وعمـلاؤه من الخونة، إلى أن وصلت إحدى القرى، وبعدما حصلت على مبتغاها عادت إلى ذلك الجريح وقدمت له ما اشتهته نفسه فدعى الله لها الستر وأن يحقق مبتغاها وهي الشهادة في سبيله وفي سبيل هذا الوطن الغالي، فشفي الرجل وبقي يتذكر هذا الموقف الإنساني الكبير ويذكر المرأة بخير بعد الاستقلال.
إضـافة إلى ذلك فقد كانت مـريم لا تبخـل كذلك في تقـديم مساعدات مالية معتبرة للمصابين من المجاهدين و أفراد الشعب من المـال الذي كان يصلها آنـذاك دوريا من والديها بسطيف عن طريق مسؤول المنطقة آنـذاك مسعود بو جريو ، بمبالغ كبيرة تصل إلى 500 ألف فرنك فرنسي ، وكانت تسند مهمة توزيعها إلى رفيقتها حورية ولا تبقي عندها شيئا.كانت تحب المجاهدين حبا كبيرا.. هي عائلة الثورة، علاقاتها متينـة أكثر من العلاقة العائلية.
وما كان يميزها أكثر وهي التي كانت تغمرها دائما نشـوة الجهاد والاستشهاد زهدها وتصوفها، شدة البأس الذي سبقت إليه الرجال، إلى جانب نضجها القوي، قوة شخصيتها، تمكنها، برودة أعصابها، إتزانهـا، جرأتها وطباعها الهادئة دون أدنى خوف أثناء مواجهة الأخطار أوخـلال عمليات التمشيط والقصف التي كانت فيالق الجيش الفرنسي تقوم بها بين الحين والآخر، عبر جبال سيدي الصالح، بوحنش، القرن، القل، الماء البارد ، البابور، القروش، الحروش، تكسانة، الميلية، بكل من سكيكدة، جيجل، ميلة وقسنطينة بالولاية الثانية، وكذا الشعور الدائم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها والتي كانت تؤديها بأخلاق عالية وصدق ووفاءكبيرين، فسر نجاح الثورة في أخلاقها.
كما يشهد لها الجميع بصرامتها وقرارتها الحاسمة والدفاع عن قناعاتها باستماتة كمسؤولة ساعة الاختلاف في الرأي،رغم تحليها بروح المسؤولية العالية واحترامها لمسئوليها. تقاسمها في ذلك صديقتها زيزة مسيكة الـتي كانت تشرف على مستشفى الجيش بأولاد جامع بالقل.

…يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق