كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح10

الحلقة العاشرة

قد حدث مرة أن بلغ الاختلاف ذروته خلال اجتماع بمسؤوليها على رأسهم علي منجلي، إثر نقاش سـاخن دافعت فيه بقوة عن بعض القرارات والخيارات، ولما هم هذا الأخير بالانصراف اقترب منها ليودعها مصافحا، ردت عليه قبل أن تقوم بتقديم تحية عسكرية له في استعداد تام: الأفضل أن يكون ذلك وفق النظام العسكري للثورة، وما يمليه واجب المسئولية، مما اكسبها حبا عظيما واحتراما وإعجابا شديدين من مختلف فئات الشعب التي كانت تلتقيه خـلال عمليات الإسعاف الشعبي، التي كانت تقوم بها دوريا عبر القرى والأرياف وبالجبال، وكذا من طرف قادة الثورة ومسئوليها ورفقائها في الكفاح، مما حـدا بالكثير منهم إلى عدم إخفـاء رغبتهم وإبداء حسن النية للزواج منها،لكنهم بالمقابل لم يستطعوا مواجهة هيبة شخصيتها، ولم يجدوا وسيلة سوى إخبار صديقتها حورية طوبـال وطلب التوسط لهم في الأمـر ، لكن الرفض المستمر لموضوع الزواج من طرف مريم، جعل الأخـيرة لا تجرؤ على ذلك و هي التي تعمل تحت مسؤوليتها، فلم تبح لها بالموضوع إطلاقا،نظرا لواجب التحفظ الذي يمليه النظـام العسكري للثورة من جهة ، ومن جهة أخرى لأنها كانت تدرك كـامل الإدراك موقفها ورفضها مناقشة الفكـرة من أساسها،وهي التي تأثرت بشخصها وبقناعاتها كثيرا.
لكن ياسمـين التي فصلت في الأمر قبل بداية الرحلة، أكدت لرفيقها عبد الحق بما لا يدع مجالا للشك في إحـدى لقاءاتهما بمنطقة أولاد عسكر بجيجل وهو في طريق العودة إلى سطيف أواخر سنة 1959، لما سألها عما بلغه حول موضوع نية بعض من الرفاق التقدم لخطبتها، وعن سر خيارها الانضمام إلى مجموعة حمـلاوي، وإن كانت في حاجـة للمرافقة لزيارة المـرأة الجزائرية تؤدي دورها بحـزم في إسعاف أحـد المجاهدين قطعت رجـله الأسلاك الكهربائية على الحـدود المغربية أثنـاء الثورة.
بعدما سلمته رسـالة لعائلتها وأخرى لأخيه عبد الوهـاب في سطيف، ردت عليه، قائـلة: “لم التحق بالثورة ولم أصعد الجبال لأجل الزواج، تجربتي اطلعتني على معاناة أبناء وطني وما يقاسيه هؤلاء، أريد أن أثـأر لشعبي وانتقم”.
وبرغم أهوال الحرب إلا أن مـريم كانت تنتقل كذلك بين مراكز جيش التحرير المنتشرة عـبر جبـال ووهاد الناحية الرابعة بالولاية الأولى خلال الفترة بين 1957 و1958، مرورا بمركزي جنان نانة مريم و سحنون بوشارب بجبال القصبات، إلى جبال أولاد سلطان بمركز المسعود بن جعفر بتينيباوين، ضمن فريق طبي رفقة مليكة قائد بالإضـافة إلى فطيمة وزهور أونيسي، يرافقها هناك كل من المرحوم بلقاسم كداد والشهيد لخضر بن ادريهم، مقتحمة خطوط النار وسـط جحيم المعارك وساحات القتـال وذلك لأجل الاطمئنان على أخويها المجاهدين محمد المدعو كوكو ضابطا بالولاية الأولى، وصلاح الدين على الحدود التونسية.
والأكيد أنها في طريقها إلى هناك كانت لا تتوانى في انقاذ الجرحى من اخوانها المجاهدين ومن افراد الشعب عـبر القرى والمداشر والجبـال.
وخلال هذه الفترة كانت تتردد على مناطق نقاوس ثلاث ممرضات أخريات من بينهن مليكة قائـد ، عبر مستشفيات المنطقة بكل من أولاد عمران بأولاد سي سليمان، بخـوش بأولاد عوف، قطيـان بالقصبات ، بوطالب بسطيف، برهوم، أحمد العيـاط ببومقر، عائلة قـارش بواد أو فرشة بسفيان.
استمرت ياسمـين التي كانت تتفوق على كثـير من رفقـائها في الشجاعة والصبر والرماية وركوب الخيل، مواظبة في مهمتها بوفاء ورعاية كبيرين عبر القرى والجبال،وفي العديد من المرات كانت تواجه اشتباكات عنيفـة وهي تتصدى للقـوات الفرنسية كاللبؤة تدافـع عن جرحاها ومصابيها، وتحاول إنقاذ المستشفيات التي كانت تشرف عليها عبر الأكواخ والمخابئ والكهوف والمغارات، فكانت في كل مرة تخرج و تنجو منها بسلام بمفردها أو بتخليص من طرف رفقائها المجاهدين، مما مكنها فيما بعد أن تتبوأ مسؤولية العديد منها والفرق التابعة لهـا، أولاها كـان مستشفى حجر مفروش، ثم مستشفى أولاد جامع وبعده مستشفى بوحنش رفقة الحاج عالية بالقل، موجو، وآخرها كان مستشفى جراح الذي يقع بناحية القل بالمنطقة الثالثة والذي مكثت به طويـلا، إلى غاية التحاقها بالعمل المسلح بقسنطينة، ومثلها كذلك زيزة مسيكة، يمينة شراد،حورية بلهولة، فطيمة طرودي وحورية مصطفاي، فصارت من الكوادر الرائدة في مجـال الطب العسكري في ساحات القتـال،وأضحت للمجـاهدين وللناس البلسم الشافي ونبض الثورة بالشرق الجزائري.
ووسط الجراح والآلام و الدماء والدموع وهي تعايش أبشع الصور التي يندى لها جبين البشرية، والتي تختصرها الأجسـاد المنكل بها والجثث المفحمة، زاد تأثرها العميق درجات بما يحدث لأبناء وطنها الذين لا ذنب لهم سوى أنهم جزائريون أرادوا العيش في وطنهم في حرية وسـلام، كما كان يؤلمهاكثيرا معاناة رفيقاتها والمشاق والصعوبات الكبيرة الـلائي كن يلاقينها وهن يمارسن مهام التمريض دون راحـة وسط جحيم المعـارك وقساوة حيـاة الجبال بعدما طالت الحرب..، فكانت في كل مرة تلتقي صديقتها حورية مصطفاي أثنـاء عمليات التمشيط التي كانت القوات الفرنسية تقوم بها باستمرار عـبر جبال الميلية في بني أصبيح، بني بلعيد، مشاط، أولاد بوفاهة و بني مسلم، كانت تقول لها: …سامحيني أنت والأخوات الأخريات.. لقد دفعت بكن إلى وضع صعب.
ولأن حب الوطن من الإيمان، فإن هؤلاء اللائي خرجن من ديارهن للجهاد طلبا للشهادة في سبيل الله إلى جانب رفاقهن المجاهدين من أجـل تحرير الوطن من دنس الاستعمار وقلوبهم موحدة حول كلمة واحدة هي الله أكبر، اقتحمن ساحات المعارك وشاركن في القتال إلى جانب إخوانهن المجاهدين مرات عديدة دون تردد أو أدنى خوف، حيث كانت مشاركة كل من مريم بوعتورة ، زيزة مسيـكة إلى جانب لامـين خان وحورية مصطفاي وزوبيدة زروق إلى جانب بواسديرة رشيد وعبد الحميد لساق، في جبهتين مختلفتين ضمن ثلاث كتائب لجيش التحرير، بطولية في معركة شرسة ضد قوة كبيرة للجيش الفرنسي بعد حصارها لمنطقة زقار بالقـل على إثر وشاية من أحد العمـلاء ، فكان الاشتباك قويا وسـط الغابات المشتعـلة، شاركت فيها الطائرات المقنبـلة ، واستعمل فيها الرصـاص والسلاح الأبيض، وكانت الخسائركبيرة في الجانبين .كما شاركت مـرة مسيكة في أوت 1957 في إحدى المعارك بمشاط بالميلية، مقتحمة ساحات القتال في الصفوف الأولى بجرأة الأبطال وعادت مع رفاقها سالمة غانمة السلاح واللباس العسكري.

من مهام التمريض إلى ساحات القتال واقتحامها حرب الشوارع والمدن
يشاء القدر والتاريخ أن تكبر محنة الجزائر بمقدم الجنرال ديغول على رأس الجمهورية الفرنسية وكله حماس لإخماد نار الثورة التحريرية، متبعا في سياسته أبشع عمليات القهر وأحدث ما أنتجه العقل الاستعماري الغربي من طرق التعذيب، مستعمـلا في ذلك كل أساليب الإغـراء والمراوغة كمشروع قسنطينة الذي أعلن عنه بقسنطينة في أكتوبر عام 1959 والذي سوف يكون بدوره عام تحوّل كبير في حياة بطلتنا وفي مسيرتها الجهادية، اين تقرر فيه مريم ضرورة اقتحام ساحات القتال، بعد لقاءات جمعتها برفيقة درب جديدة في الكفاح هي فاطمة الزهراء بوجريو، إذ طلبت منها إيصالها إلى زوجها قائد المنطقة مسعود بوجريو المدعو مسعود القسنطيني، والذي أوصلها بنفسه بعد ذلك إلى المنطقة الخامسة بقسنطينة.

يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق