كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح11

ففضلت الإلتحاق بصفوف الفدائيين الذين كانت تلتقيهم بالجبـال بين الحين والآخر منهم عمار قيقاية وعبد الحميد كغوش وكذلك المجاهد حملاوي، فطلبت من رائد المنطقة أن يسمح لها بالمشاركة المباشرة في تنفيذ العمليات الفدائية رفقـة إخوانها المجاهدين والاستشهاد في قلب المعارك ، بعدما أدركت أن قدرتها وخبرتها وكفاءتها تؤهلها للقيام بعمليات قتالية في مدينة قسنطينة التي تعرف أزقتها وأعجبت كثيرا بشجاعة المقاومين بهـا، فكان الرد بالإيجاب.
وربما تكون كذلك في هذه المرحلة الحساسة من مسيرتها قد أحست بقرب الميعاد مع خالقها، وبخاصة وقد ودعت فيها صديقتها ورفيقة دربها زيزة مسيكة التي استشهدت في ميادين القتال بتاريخ 29/08/1959 على إثر قصف جوي للمستشفى بمنطقة ميـلة، وقبلها تم إستدعـاء مسؤولها المباشر ورفيقها لمين خـان إلى جانب علي كـافي إلى تونس في مارس 1959،الذين تم تعيينهما عضوين بمجلس الثورة ممثلين للداخل عن الشرق.
حيث أسندت للامين خان مهمة كاتب دولة بعد تشكيل الحكومة المؤقتة، فاستخلفه في مهامه على رأس الجهاز الطـبي بالولاية البروفيسور التومي المختص في أمراض القلب، هذا الأخير كان له فضل كبيرفي تكوين أفواج أخرى وتثمين وتعميق مستوى وخبرة الممرضين والممرضات أكثر ، فكانت هذه الولاية بذلك سباقة في مجال التكوين الطبي ورائدة كذلك في المجال السياسي والعسكري.
وهنا تلقت مريم أوامر بضرورة الالتحاق بتونس، وذلك من طرف مسئولي الولاية الثانية منهم على وجه الخصوص علي كافي والدكتور لامين خان، الذين تنقلوا لأجـل ذلك إلى المستشفى الذي كانت تشرف عليه بخنق مايو وعقدوا لقاء معها هناك، ربما من أجل إسناد مهام لها بهياكل الحكومة المؤقتة، أو لغرض تهيئتها أكثر ككفاءة مستقبلية تحتاج إليها الجزائر في مرحلة البناء الوطني خلال فترة ما بعد الاستقلال كإطار من طراز خاص، بعدما وجدت فيها الثورة عنصرا لامعا جديرا بالاهتمام وهي التي استفادت من كفاءتها وتخصصها، فكان رد مريم عليهما بالرفض التام، وهي التي كانت ساعتها بصدد إعـداد تقرير دوري عن الوضعية العامة للتمريض بالمستشفى وعلى مستوى الناحية، لاسيما وأن الحرب ازدادت ضراوة وتحولت معه طبيعة عمل المستشفيات من ثابتة إلى متنقلة.
وبعد إلحاح كبير عليها من طرفهم، انتفضت ياسمين ساعتها في قلق كبير وفصلت في الأمر بصرامة وحزم قائـلة لهم :”أفضـل أن استشهد بين إخواني المجاهدين ووسط أبنـاء شعبي في الجزائر، الذين أحببتهم وأحبـوني، أما بخصوص تونس، فلو كانت لي رغبة فيها فلن يسبقني إليها أحد، وكنت قد انتقلت إليها، لأن عائلتي لم تبخل علي أبدا ووفرت لي كل شيء” ..!
رافضة بذلك رفضا قاطعا وضع السـلاح والانتقال إلى تونس إيمانا منها بأن الميدان الحقيقي للمعركة يوجد داخـل الأسلاك الشائـكة، فما كان من المسؤولين إلا أن غـادروا إلى تونس بعد أن سلموها مقررتعيين جديد في منصب كاتب عـام بالمصلحة الصحية للولاية.
في هذا الوقت بالذات تم في إطار مخطط شال العسكري الذي كان يهدف إلى تضييق الخنـاق على الثورة ومحاصرتها، تطويق الـولاية الثانية الشمال القسنطيني التي كان يشرف عليها آنذاك الصالح بوبنيدر بجيش جرار قوامه مليون عسكري بعدما سخرت فرنسا لذلك، سـلاح الطيران الناقل والكاشف والمقنبل، وتمركزت بجبـاله مدة أطول تقليدا بما يقوم به جيش التحرير، في عملية أسمتها الأحجـار الكريمة وذلك بدعم كبير من الحلف الأطلسي، والتي ميزتها خرجة وجولة الجنرال ديغول الميدانية إلى ميدان العمليات عبر جبال الولاية الثانية المسماة بالببوطة la tournée du popote والتي استمرت من 27 إلى 31 أوت 1959، حيث جمع جيوشه في الميدان وأمرهم بالقضاء على الثورة هناك حيث سخر لذلك كل الإمكانيات، أملت الضرورة الانتقال بالثورة إلى مرحلة جديدة، عندها عقد اجتماع لقادتها بمركز القيادة بمنطقة برقـون بالقل تحت إشراف كل من صالح بوبنيدر، عبد المجيد كحل الرأس، بلقاسم الفنطازي، العيد بابانا ومسعود بوجريو في نوفمبر1959، تقرر خلاله نقل الثورة إلى المدن وإنشاء نظام جديد بالمنطقة الخامسة قسنطينة،حيث تم تقسيم هذه الأخـيرة إلى ثلاث نواح،وسط،شرق وغرب،كما تم توزيع أعضائها على النحو التالي:
ـ الناحية الأولى (وسط المدينة): عمار رواغ المدعو السعيد مسئولا إلى جانب عمارقيقاية، فضيلة سعدان ومليكة بن الشيخ الحسين أعضاء.
ـ الناحية الثانية (سيدي مبروك): بشير بورغود مسئولا إلى جانب داودي سليمان المدعو (حملاوي )، ومريم بوعتورة عضوين.
ـ الناحية الثالثة (المنظر الجميل): عبد المجيدكغوش مسئولا إلى جانب عبيد عبد الوهاب المدعو ( بن يمينة ) سابقا ومليكة حمروش عضوين.
وبالرغم أن النظام الفدائي الذي بدأ سنة 1954 داخل قسنطينة من طرف المجموعة الأولى لمنتوج الحركة الوطنية مشكلة من مسعود بوجريو، عمرطلاع، اسماعيل زيقات، الصالح زادي، والتي تم القبض على عدد كبير من عناصرها عام 1955 فيما صعد البعض الآخر إلى الجبل، لم يشهد التوقف والانقطاع في عمله، إذ ظل يطعم ويجدد دوما بمجموعات جديدة وتعاد هيكلته عقب القاء القبض أو القضاء على عناصرها، حيث استخلف المجموعة الأولى سنة 1955، كل من عبد المالك قيطوني و احسن قديد المدعو صالح بن جعفر واللذين تم القبض عليهما في أكتوبر 1957، ومن ذلك التاريخ إلى نهاية 1958 أشرف على العمل الفدائي بقسنطينة التي كانت تابعة للمنطقة الثانية ( ميلة والميلية ) كلا من عمار قيقاية، عمار رواغ و حملاوي، إلى حين إعـادة تقسيم الولاية الثانية و إضافة قسنطينة منطقة خامسة تحت اشراف مسعود بوجريو سنة 1959وفق النظام الجديد والتركيبة الجديدة المذكورين سالفا، وبعد القضـاء على هذا التشكيل الذي استطاع أن يعطي للنظام الفدائي صورة مغايرة أكثر دقة في التنظيم وأكبر قوة وفعالية على مستوى النواح الثلاث سنة 1960، تعاقب على مسئولية التنظيم العديد من الفدائيين حتى سنة 1962، وقد حافظ على نفس تقسيم المنطقة الخامسة بنواحيها الثلاث.
وودعت بذلك مـريم صديقتها حورية وداع الأبطـال، وحسبما تقتضيه تقاليد الثورة ونظـام جيش التحرير في سرية تامة دون علم هذه الأخيرة، بعدما أخبرتها أنها سوف تذهب قي مهمة تمريض لمدة أسبوع، بعد لقـاء جمعها بمسؤول المنطقة مسعود بوجريو، وخلال تلك الليلة الأخـيرة التي كانت توصيها فيها بالاعتنـاء بالمرضى والمصابين، أحست خـلالها صديقتها بأن أمرا ما يحدث هي لا تعلمه وقد سـاورها الشك، ليكون ذلك اللقاء الأخير بينهما هو المشهد الأخير في رحلة التمريض عبر الجبال والقرى والأرياف، بالرغم أن المشاعر خلاله كانت بادية وجاهرة على وجه بطلتنا رغم محاولة اخفائها عن صديقتها.
ودخلت مريم المرحلة الحـاسمة من حياتها في الكفـاح المسلح،كان الشهر نوفمبر من عام 1959 ملتهبا وكان لهيب الثورة يزيد معه اشتعالا ، فألقت الباسلة بنفسها في قلب المعارك و في ساحات القتال رفقة كومندو خاص، تشق خطوط النار بحكمة وجرأة كبيرين، تغمرها معاني التضحية والفداء وشعور بنخوة الصمود يهزها ويدفع بها إلى الأمام مسافات كبيرة، رغم إدراكها أن الرحلة سوف تكون شاقة وأنها سوف تكابد أخطارا كبيرة.
وهي التي استلهمت من عظمة الأم المجاهدة بـودن أم السعـد التي تصدت للضابط الفرنسي معزولة في جبال مروانة بالأوراس خلال الثورة، وبشجاعة لا توصف أردته قتيلا بضربة واحدة في الرأس بواسطة الشاقور، مجسدة بذلك أروع معاني البطولة والتحدي.
وبشجاعة بطولية لا تقاوم ينبعث منها عبق الجبال، راحت بطـلة الأوراس مع رفاقها انطلاقا من الشمال القسنطيني، تهز أركان الوطن على فرنسا فتساقطت عليها من هناك ومن على الصخرة الشامخة خاصة، أمطار من الضربات الموجعة والعمليات المؤلمة، والتي لم تكن بالطبع زخـات عابرة ولم تكن رطبا جنيا.
فأذاقت أعداء الوطن ويـلا وسقتهم من نار الثورة جهنم وأصلتهم بذكائها وصمودها سعيرا في مواقع ومواجهات كثيرة في أرض أرادتهاكما أرادها شعبها وكل الأحراروالمجاهدين في ساحات القتال وفي كامل ربوع الجزائر أن تبقى طـاهرة طهر السماء، و لن تكون أبدا معبـدا للشيطان مهما طغى، وهي التي استمدت من جبالها قوتها وصلابتها وهيبتها.
فخاضوا معارك عديدة ، أصيبت بجراح بليغة في إحداها في منطقة ابن زيـاد بالقرب من قسنطينة، فتم اسعافها من طرف أم عجوز مكثت لديها شهرا كاملا ولم يتفطن إليها المستعمر،هي لا تزال على قيد الحياة.

يتبع….

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق