كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح 14

استشهادها
جهزت قوات العـدو جهازا عسكريا كبـيرا وسارعت حينها إلى محاصرة المجموعة ليـلة كاملة، وحينما أشارت عقارب الساعة إلى الرابعة صباحا يوم 09 جوان 1960م، طوق جيش الاحتلال البناية جيدا كما قام بتفريغ العمارات المجاورة من ساكنيها ليتحصن بها عساكره، فتنبه أعضاء الفوج إلى ذلك وحاولوا التسلل إلى الخارج، إلا أن كل محاولاتهم باءت بالفشل، ولما أدركوا خطورة المأزق، قامت مريم التي فصلت في الأمر بأنه لا مجـال اليوم للاستسلام وأنه لا سبيل إلا المواجهة، بحرق كل الوثائق والمستندات التي كانت بحوزة الفوج، متلهفة للشهادة وملاقاة ربها، مستأنسة بقوله تعـالى: ربي قد ءاتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض، أنت ولي في الدنيـا ولآخرة توفـني مسلما وألحقنـي بالصـــالحين.
وبعد السماح لأفراد عائلة صالح توات بمغادرة البيت إلى بيت أحد الجـيران، علا صوت الرصاص والانفجارات، فاقتحم جنود العدو أبواب البناية ورموا بداخلها ثلاث قنابل غازية .. إثر ذلك حاولت البطلة مـريم صنع أقنعة من القماش المبلل لحماية نفسها ورفقائها من الغازات السامة، لكن العـدو أتبع القنابل بالطلقات المدفعية من نوع track half- وسلاح البازوكة وقاذفات fibi، التي استعملت لأول مـرة في المدينة من أجـل اسكات المقاومة العنيفة للفدائيين، والتي كانت كافية لأن تجعل جدران و نوافذ الشقة هاوية على أعضاء الفوج،برغم أن عدتهم لم تكن سوى بعض المتفجرات، إلى جانب رشاشين وأربعة مسدسات أوتوماتيكية فقط.
فكانت مـريم البـاسلة أول من أصابتها شظايا القصف الرهيب وفقدت إحدى أطرافها السفلية من الجهة العلوية وأصيبت بنزيف دموي خطير، ودخلت هي والبطل داودي سليمان المدعو حملاوي الذي أصيب بدوره إصابات بالغة على مستوى الرأس والصدر خاصة في حالة غيبوبة بعد إطلاق قذيفة ثانية، وفي ثالثة اخترقت البيت أصيب بشـير بورغود في وجهه وفي جسمه في غرفة مجـاورة بعد أن تهدمت عليـه.
وقبل ذلك صاحت البطلة مـريم منادية أحد الضباط الفرنسيـين lieutnant .. lieutnant .!، في حين كان الباسل حمـلاوي ينادي آخر ” .. Moi Capitaine et toi Capitaine montrez vous..” ولما حاول الجنود الفرنسيون الاقتراب على أمل الإمساك بهم أحياء صاحت مـريم: “الله أكـبر.. تحيا الجزائر حرة مستقلة.. يسقط الاستعمار”.
وصوبت هي و حملاوي سلاحهما الرشاش من نوع مات 24 نحو عساكر العدو من على أماكن مختلفة، وراحا يبادران بإطلاق النيران عليهم بشراسة وباستبسال كبير دون انقطاع، حيث تمكن حملاوي من القضاء على أحدهم برتبة رقيب أول يدعى/ دانيس/، في حين قضت مريم على ضابط آخر برتبة ملازم أول ويدعى/ روسو/، كان قد شارك في القضاء على مجموعة عبد المجيد كغوش، عبد الوهاب بن يمينة ومليكة حمروش، وظلا يقاومان إلى النهاية في معركة أعنف، فصولها أشبه بتراجيديا لحقيقة قلما جسدها الإنسان.
وذلك بعدما قـام صاحب البيت صالح توات بفتح الباب الخلفي المؤدي للمحل،حيث تحصن بمخزنه كل من محمد كشود و بشير بورغود ، ومن خلاله فتح ستـار المحل الخارجي بعد تشاوره مع حملاوي على إثر تلقيه أمـرا من الجنود الفرنسيين الذين حاصروا البيت وطلبوا منه فتح البـاب الرئيسى، وخوفا من اقتحامهم البيت على المجموعة،أقنعهم بأن عقده مع المـالك الأصلي للشقة يقضي بعدم فتحها على الجـيران على مستوى البنـاية وأن دخوله لمسكنه يتم عن طريق باب المحـل، فأجهزت عليه عناصر من القوات الفرنسية ، وتم القاء القبض عليه من طرف رقيب احتمى به وقاده إلى حيث يتمركز مسئولو القوات الفرنسية.
وقبل أن يسارع إليها بشـير بورغود وهي تنادي على محمد كشود والدم يـنزف منها بقوة : .. خويا مـراد .. خويا مـراد ..، طالبة منه ومن حملاوي استئناف القتال بعدما حملاها وهي في حالة سيئة للغاية ووضعاها على إحدى أدراج السلم المؤدي للمخزن في الأسفل، وهنـاك قالت لحملاوي: .. اقتلني .. اقتلني .. فقال : .. وهل تملكين الشجاعة الكافية.؟ قالت له : .. نعم..! فقال له محمد كشود : .. واش بيك يا حمـلاوي.. واش رايح اتدير.. فقال له:..ياوليد عمي هي اللي راهي طلبت مني نكمل عليها ونقتلها، فقال له: ما تقلقش روحك راهم عارفين بلي رانا اهنا وسيهدمون علينا قسنطينة إن تطلب الأمر ذلك.! فردت عليه مريم: .. خويا مراد .. واه تخليهم يشفاو فيا .. ؟ فسكت وسكت حملاوي ..!
عندها قام محمد كشود قبل أن يغمي عليه نهائيا هو الآخر بعد اصابته بشظايا قديفة من نوع fibi في الرأس وجهها العساكر من بناية مجاورة، بحمل حملاوي الذي طلب منهما مواصلة القتال ووضعه إلى جانب مريم.
ولإسكاتهما نهائيا قادهما سفاح قسم المخابرات والتعذيب في المكتب الثاني النقيب/ رودي/ إلى جانب اثنين من رفقائهما تم أسرهما، ويتعلق الأمر بكل من محمد كشود وبشير بورغود إضافة إلى صاحب البيت صالح توات، إلى مركز الاستعلامات والعملياتCRA بحي أمزيان حاليا صالح بوذراع، وهناك توفي حملاوي متأثرا بإصاباته البليغة.

يتبع…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق