كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة

كما تردد أن خائنـين معروفين لدى سكان ومجاهدي قسنطينة بممارستهما لأبشع ألوان التعذيب وصور الاستنطاق يعملان لفائدة جلادي مركز حي أمزيان، الرائد رودي مسئول المكتب الثاني وزميله الملازم الأول ميلار بالإضـاقة إلى الرائد شوفاليي مسئول القبعات السوداء في الجيش الفرنسي بقسنطينة، هما من قاما بخنقه حتى لفـظ أنفاسه باستعمال الأيادي، لما انهال عليهما سبا وشتما، وقال لأحدهما بألم كبير عندما استفاق ووجدهما واقفين عند رأسـه: “آه يا واحد البيــاعين .. أنا خــوكم”.
وفيما قام أحد الضباط الفرنسيين بقص شعر البطل حملاوي الذي أدخل في قلب فرنسـا رفقة ياسمـين الرعب والفزع إنطلاقا من عاصمة الشرق، وهي التي ظلت تطلق عليه اسم الزئبق أخذه كذكرى، تم كذلك قتل أحد الخائنين من قتلة حملاوي خنقا من طرف جلادي حي أمزيان، بعدما لفق له أحد الفدائيين الذين تم القبض عليهما في العملية الأخيرة التي قادتها مريم ومجموعتها بسيدي مبروك وذلك انتقاما منه، حيث أبلغ مسئولي مركز حي أمزيان بأنه كان على اتصال بعناصر مجموعة مريم.
أما مـريم فقد تم حقنها حقنة مسمومة بعدما يئس سفاح حي أمزيان وعناصره من افتكاك أية معلومة منها تحت الاستنطاق، باستعمال أبشع الأساليب حسب شهادات المعتقلين ممن كانوا داخل مركز التعذيب هذا، فكانت في نبرات الموت تهز جسدها الجميل المضرج بالدماء وهي فرحة بأنها وهبت نفسها في سبيل الحرية ، و قد راحت في تلك اللحظات لاتعبأ به وبأساليب أعداء الإنسانية تعايش متعة الشهادة والروح تصعد إلى بارئها فرحة للقاء ربها مستبشرة، تردد بصوت عـال دون انقطاع :”الله أكبر.. تحيا الجزائر حرة مستقلة.. يسقط الاستعمار ..!”
وهكذا أوفت البطلة مريم بوعدها ورفضت أن تسلم روحها الطاهرة ووطنها الطاهر للأيادي القذرة، فاستجـاب لها ربها وكان لها ما أرادت وهي التي ظلت تتمنى الشهادة بين أبناء وطنها وفي قسنطينـة بالذات ..!
فسجلت للتاريخ صـورة خـالدة في غاية البطولة والشجاعة عن عظمة المرأة الجزائرية لن ينساها أبدا الجلاد الفرنسي على مر الزمـان..!
ولفظت الشهيدة ساعتها أنفاسها الطـاهرة عن عمر يناهز الـ 22 ربيعـا وصعدت روحها إلى السماء عطرا، فصارت السماء يومها صافية بصيرة. حينها كتبت الصحـافة الفرنسية شاهدة على عنف عاصفة ذلك اليوم المشهود من حياة الثورة وقـوة الشجاعة والبطـولة اللتين أظهرتهما مريم ومجموعتها، والتي فقدت فيها القوات الفرنسية ضابطين وجرح آخر، واصفة أياها آنذاك بـ ..” أروع عملية قامت بها قوات الأمن بمركز أكبر مدن الشرق الجزائري، للقضاء على السفـاح المشهور الذي طالمـا قض مضاجع القوات الفرنسية “، وكتبت بشأنه جريدة / لاديبـاش/ الصادرة آنـذاك بتاريخ 09 جوان و08 أكتوبر من عام 1960م .. ” بعد المعركة الحقيقية والعنيفة التي حدثت ليلة الثـامن من جوان ودامت من السـاعة الرابعة إلى الثامنـة و النصف صباحا بين قوات فرنسية والخـارجين عن القانون، عثر على جثتي المدعو حمـلاوي والمدعوة ياسمينة واسمها الحقيقي مريم بوعتورة وألقي القبض على جريحين، وكان قد شاع أن الأمر يتعلق بوجود كومندوس من المدينة داخل المدينة.
أما صحيفة/ لوموند/ الصادرة بتاريخ 09 جوان 1960م فقد كتبت تقول .. “وتأكد أنه كان من المستحيل الاستغناء عن استعمال مدفع عيار 75 للتوصل إلى إخماد مقاومة المتمردين “.
في حين أوردت جريدة/ لاديباش/ بتاريخ 08 أكتوبر1960.. ” لقد لجأت قوات حفظ النظام إلى إطلاق النار واستعمال القنابل وحتى القصف باستعمال مدفع من نوع track half- .. ”
كما كتبت إحدى المجلات الفرنسية بعد هدوء العاصفة و نسيـان الذكريات المرة لحرب الجزائر ” .. وهنـاك مجاهدات لم يكتفين بالمهمات البسيطة وشاركن فعلا في المعارك، ومن بين هؤلاء مـريم بوعتورة ، زيزة مسيكة و مليكة خرشي اللواتي كن يتمتعن بفكرومستوى وشخصية قوية، واعترافا لهن بذلك عينت الأولى رقيبا والثانية عريفا ..فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعـض، فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب).
بعدها حكمت المحكمة العسكرية بقسنطينة تحت رئاسة المستشار الكبير مسؤول مقر محافظة الحكومة الملازم الأول/ هيغو/، على صاحب البيت صالح توات بـ 10 سنوات وتم تحويله إلى سجن/ لامبيز/ بباتنة وبقي هناك إلى غاية الاستقلال، وعلى محمد كشود بـ 20 سنة سجنا مع الأعمال الشاقة، بعدما نال طلب الاستأناف الذي تقدم به محافظ الحكومة بقسنطينة إلى المحكمة العليا بباريس القبول، لعدم اقتناعه بالحكم الأول الصادر عن المحكمة العسكرية بقسنطينة والقاضي بالسجن المؤبد في حق كشود، وذلك سعيا منه لافتكاك حكم بالاعدام له، فتم تحويله إلى سطيف لمحاكمته فهرب من السجن، إلا أنه ألقي عليه القبض وحوكم من جديد وصدر في حقه الحكم السالف الذكر إضافة إلى إدانة بـ 08 أشهر على محاولة الفرار، فطعن محمد كشود من جديد في الحكم الخاص بمحاولة الفرار، وتم تحويله إلى سجن الكدية بقسنطينة، لكنه استطاع الهرب منه فيما بعد رفقة بادر يوسف ومجموعة من المجاهدين إلى جبل قرقرة بابن زياد، ليتجه في الأخيرا إلى جبال بني أصبيح بالميلية بالمنطقة الثانية، أما رفيقهم بشير بورغود فقد تم نقله إلى العديد من مراكز التعذيب والتركيز من بينها مركزي الجرف وتموشنت حتى الاستقلال.
كما تم قبل ذلك اعتقال الشرطي الرقيب نايت رابح حمزة صاحب مركز جيش التحرير الذي اعتـادت المجموعة اللجوء إليه بعمارة في نهج محمد معروف حاليـا.

يتبع..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق