كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة الحلقة الأخيرة

في حين تم اعتقال الفدائيين اللذين تم القبض عليهما بعد العملية الأخيرة التي نفذوها رفقة مريم ومجموعتها بسيدي مبروك، بمركز حي أمزيان ومنه إلى السجن العسكري بالقصبة والكدية، بعد أن صدر في حق أحدهما حكما بالإعدام ثم العفو في الاستقلال، وتوفي خلال السنوات الأخيرة متأثرا بانهيار عصبي نتيجة ظروف السجن، وبالسجن على الثاني وقد توفي قبل سنوات.
وقبلها تم القضاء على الفوج الأول بعد استشهاد عبد الحميد كغوش وإلقاء القبض على عنصرين منه، هما عبد الوهاب بن يمينة ومليكة حمروش إثر إصابتهما في اشتباك لهم مع عساكر العدو في 27 افريل 1960 بشارع / سان جون/، واللذان نقلا إلى مركز حي أمزيان لتتم محاكمتهما فيما بعد، إذ حول بن يمينة إلى سجن الكدية ثم السجن العسكري بالقصبة، أين صدر في حقه في 09 نوفمبر 1960 حكما بالإعدام، ليستفيد في الـ 24 ماي 1961 من العفو، ليحول بعدها إلى سجون الكدية، لمباز، الحراش وأخيرا ليبومات بمرسيليا بفرنسا إلى غاية أفريل 1962، حيث عاود الالتحاق بجيش التحرير من جديد بالناحية الثانية سيدي مبروك شرق قسنطينة، في حين حكم بالسجن على رفيقته مليكة حمروش زوجة المجاهد رحماني عاشور الشريف وهناك أنجبت ابنها جمال، و نتيجة لاحتجاجها على تربية رضيعها في السجن، تم الإفراج عنها ووضعت رهن الإقامة الجبرية أين تمكنت من الهرب، لكن تم القبض عليها وتمت إعادتها إلى السجن من جديد إذ مكثت هناك إلى غاية الاستقلال.
أما الفوج الثالث فقد تم وضع حد لنشاطه أسبوعا فقط بعد القضاء على الفـوج الأول، حيث استشهد كل من عمار رواغ، عمـار قيقاية وفضيلة سعدان، في حين لم تكتب الشهادة لمليكة بن الشيخ الحسين يومها ،إذ مكنها الله من معايشة نعيم الاستقلال، وتوفيت في رمضان 2010.
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بمـا آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون

شهيدة تبحث عن قبرها
تذكر حورية أنه بعد استشهاد أختها مريم، اتصل بأبيها في سطيف أحد الجنرالات ممن شاركوا في العملية، معترفا له ساعتها بشجاعتها وبطولتها النادرة أثناء القتال، قائـلا له: …لقد أشبعتنا المر.. قاتلتنا بشراشة كالأسد، ولوكانت ابنتي لأقمت لها تمثـالا..!
بعدها تم توقيف والـدها وأختها الكبرى ليلى لاشتباهها في دعـم الثورة وتم حبسهما بسجن سطيف مـدة 15 يوما،كما تم غلق دكانـه.
وليس بالغريب أبدا أن شجاعة مـريم بوعتورة وعنادها الثوري زاد من حقد وغيظ الفرنسيين، إلى درجة أن قائد القوات الفرنسية رفض تسليم جثتها ورد على من جاء يستفسر عنها: “لقد قتلوا أحسن ضبـاطي، فلن يرى أحـد جثتها أو يعرف قـــبرها”.
ورغم الحـرقة التي ظلت تـلازم العائلة وبالأخص أمها وهي التي افتقدت فلذة كبدها التي فضلت الشهادة وألا تكون إلا وقودا للثورة لا غير، إلا أنها لم تتمكن من ذلك وبقي قبرها مجهولا إلى يومنا هـدا.
لقد اختارت مريم هواء الجبال المنعش سبيلا للحرية، ودفء المدن طريقا إلى الجنة، وهي بنت عائلة ثورية مثقفة ومكافحة، برز فيها أخواها المرحومان صلاح الدين والضابط محمد المدعوكوكوعلى الحدود التونسية، هذا الأخير، سبقها في الالتحاق بالثورة مفضـلا جبال الأوراس بالولاية الأولى ومنها إلى قيادة الأركان، حيث عين مسؤولا عن مدرسة الكاف ، ثم بعدها عن جهاز الاتصالات بالمرسى، فملحقا عسكريا لـ GPRA بـ/ تريبولي/ إلى غاية الاستقـلال، وابن عمها المرحوم توفيق أحد مؤسسي حزب الإتحاد الديمقراطي للبيـان الجزائري رفقة فرحات عباس 1946م – 1956م، ودبلوماسيا متفوقا لا تزال تهتز لذكر اسمـه أروقة الأمم المتحدة إلى اليوم، ممثلا عن الجزائر بها لسنوات عديدة، وقد سطع نجمه أكثر خلال حرب1967 ضد اسرائيل، وكذا خالها الدراجي بوعتورة طبيب جيش التحرير، وابنه الدكتورنبيـل أخصائي في أمراض القلب بسطيف، إلى جانب ابن عمها المجاهد عبد الحميد المدعو زمن الثورة في ألمانيا الدكتور/ ألبارتو/، إضافة إلى الممرض المرحوم مبروك الذي كان سياسيا محنكـا، ترأس بلدية نقـاوس طيلة ثـلاث عهدات متتـالية ..
ودفعت البطلة الظاهرة واللامعة شبابها ثمنا لإيمانها الكبير بغد أفضل لوطنها،وسجلت بذلك وردة الياسمين التي عطرت مسيرة الثـورة بشذاها وبصورة معـايرة تماما لانظير لها، والتي مكنها الله وتبوأت فيها مكـانة عظيمة إلى جانب رفيقاتها الأخـريات، بوطنيتهن ودينهن وجزائريتهن ، صفحات خالدة في تاريخ المرأة لما كانت عليه من حسن الخلق وشـدة البأس وصدق الدفاع عن الوطن والثبات عن المبدإ شرفا ونبـلا، ستبقى بدون شك حديث الزمـان، والأروع في تاريخ الجزائر و العالم، والأكثر وقعا في النفوس، والأجمل في صورالاستشهاد .
فكانت بحق شهادة ميلاد مميزة ولهبا منيرا من لهب الثورة المقدس، وآية عظيمة للبطولة ستظل وشما أوراسيا منقوشا في محراب الثورة وفي نفوس كل الأحرار، وأسطورة تتغنى بها الأجيال على مر الزمان، بعدما أثبتت أن الانتماء للوطن هو شريان الحياة ومبدأ لا يقبل الشك حين يداهمه الخطر .. فكانت نموذج خاص لايتكرر، وهي التي خاضت بعبقرية المرأة الجزائرية معـارك كثيرة على أكثر من جبهة وعلى أكثر من صعيد.
ونالت بذلك مـريم شرف الشهادة في سبيل الله والوطن، وتحققت أمنيتها و أماني رفيقاتها على درب الكفاح اللائي إصطفتهن الثورة لنفسها من المدن والأرياف والجبال أمثال: زيزة مسيكة،سليمة حزام،رقية غيموز، فضيلة سعدان، مباركة لوصيف، حسيبة بن بوعلي، أوريدة مداد.. الخ.
واسترجعت الجزائر عزتها وسيادتها وكرامتها في الـ 5 من جويلية عام 1962، وقد قدمت لذلك فاتورة غالية من التضحيات الكـبرى.
الآن وعرفانا بفضلهن وبدورهن البطـولي ومساهمتهن الكبيرة في تحقيق الاستقلال،تم تسمية كثير من المؤسسات والشوارع المختلفة باسمهن عبر العديد من مدن الوطن، فيما أسندت لمجاهدات كثيرات ممن لم تكتب لهن الشهادة، مسؤوليات كـبرى بعد الاستقلال، مكنتها من المساهمة في البناء الوطني للدولة بجهد وتفان كبيرين.

الخاتمة

لقد استطاعت ثورة نوفمبر أن تصنع لنفسها في التاريخ الحديث صرحا عظيما ومكانة سامية، ومثلما كانت عميقة،جبارة وعملاقة فإن دورالمرأة كان فيها عظيما،وذلك بفضل البطولة والشجاعة اللتين أظهرتهما خـلال المهمات و العمليات الفدائية التي كانت تنفذها بجـرأة أدهشت من خلالها جـلادي الاستعمار وأعطت بذلك بعدا مغايرا ومهما لدور المرأة في الكفاح المسلح، لم تشهد لـه ثورات العصرالحديث مثيـلا، فكانت بحق عصب الثورة ونبضها.
وتعتبر مريم بوعتورة درة في جيد الثورة الجزائرية وتاريخ المرأة، و من أبرز الشهيدات الـلائي أدين دورا بطوليا عظيما في ساحات القتال خـلال حرب التحريرلم ترق له المرأة في الحروب الحديثة، ومع ذلك فإن تناول مسيرة هذه البطلة بوفاء وإلمـام كافيين، يبقى ناقصا و مقتضبا نظرا لشح المصـادر والكتابات من جهة، ونظرا لنضالها وجهادها بعيدا عن مسقط رأسها من جهة أخرى،كما أن استشهاد كثير من رفاقها صعب من الإلمام بتفاصيل حياتها الجهادية بمنطقة الشمال القسنطيني، رغم الاتصـالات الكثيرة التي قمنا بها ومحاولات جمع ورصد أكبر قدر من المعلومات.لذلك فإننا نعتذر عن أي نقص أو تقصير يلاحظ على هذا العمل المتواضع الذي حاولنا أن نقدم من خلالـه بمناسية الذكرى الـ 49 للاستقلال، سيرة واحدة من أعظم نساء الجزائر، وذلك بهدف تعميم الثقافة التاريخية في أوساط الشباب، والتي من شأنها أن تبعث فينا روح التطلع إلى مواصلة هذه المسيرة من أجل تحقيق أهداف الثورة التي سطرها آباؤنا و أجدادنا كاملة، والتي تعكس عظمة شعب تاريخه كله صفحات مشرقة، شعب جبل على المقـاومة والجهاد، شعب تربى في أحضـان العزة والكرامـة.

إنتهى

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق