كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة

من التمريض بالجبال إلى حرب الشوارع والمدن بالشمال..!

هي مريم، والأكيد أنها ستظل رمزا لبطولة وشجاعة المرأة الجزائرية.. هي عذراء الأوراس الشهيدة مريم بوعتورة التي انتبذت من قلب الثورة وساحات القتال بالجزائر مكانا شرقيا وهي لم تبلغ من العمر عتيا، كانت ومنذ البدايات فتاة معتدلة سوية… آمنت بقيم نوفمبر فلم تتبع هواها ولم تتبع مغريات العيش الرغيد ولا مغريات فرنسا، فوهبت نفسها لوطنها ونذرت للرحمن روحها فسقت بدمائها الزكية شجرة الحرية عشقا وهي لم تزل نبتة يافعة في أرض أرادها شعبها أن تبقى نقية.. فلم ترض بالذل والهوان فكانت أنموذجا آخر لعذارى الجزائر وجميلاتها، وهي التي كانت تعشق منذ نعومة أظفارها الحرية…

فمن طالبة علم جد ذكية شغفها حب الثورة فانطلقت مغادرة مقاعد الدراسة بسطيف خلال الإضراب العام للطلبة الجزائريين في 19 ماي 1956، إلى ممرضة بجبـال الولاية الثانية الشمال القسنطيني، تعنى بمهمة التمريض بإنسانية عالية، لتنتهي بجبروت المقاتلة الشرسة بقسنطينة جراء عنف فرنسا واضطهادها، بطلة إلى جانب إخوانها المجاهدين تصنع مجدها ومجد وطنها بايمان قوي طاهر وعقيدة راسخة لا تقهر، وعقل راجح لا يتردد.. فكانت نارا لفرنسا ونورا للجزائر.. آية للناس وللتاريخ، لم تك لا عصية ولا شقية بل شهيدة صادقة وفية؛ فصارت ابنة نقاوس نشيدا للعذارى وقصة من قصص المجد في الجزائر ووشما أوراسيا في جبين الثورة لن يكونا بالطبع نسيا منسيا، وهي التي أجبرت فرنسا على الاعتراف بها إعلاميا و عسكريا في ميادين القتال..!
من أين خرجت الشهيـدة
مـريم بوعتـورة
لقد ظـل الأوراس الذي انتحرت وتحطمت على قمم جبـاله كـل الإمبراطوريات الاستعمارية الزاحفة على أرض الجـزائر منذ يوغـرطه وماسينيسا حامي الوطيس باستمرار، وقد اتسع فيه نطاق المقاومة خصوصا ضد الاستعمار الفرنسي انطلاقا من الجبال، عقب اقترابه من المنطقة سنة 1837 حتى نهاية الحرب العالمية، وذلك بقيـادتين إحداها شبه رسمية تتمثل في قيادة مباشرة لكل من الحاج أحمد بـاي قسنطينة إلى جانب أحمد بلحـاج خليفة الأمير عبد القادر وذلك خلال الفترة المحصورة ما بين1837 و1845، وثانيها بقيادة الزاوية الرحمانية من 1845 إلى 1880، واتسعت معه الهجمات الفرنسية، وقد ميزها على الخصوص المعارك ضد الحاج أحمد باي ببلزمة وأولاد سلطان ومناطق الحراكتة، حيث قاد الجنرال/نيفري/ ضده وضد أنصاره حملة عسكرية ، فانسحب الأول إلى منطقة وادي ريغ فقضى فيها شتـاء 1838 و1839.
وفي عام 1840 قاد الجنرال/ مالبو/ حملة ثانية ضد أحمد باي بعدما حاول التقدم و تمت ملاحقته في المنطقة حتى سنة 1842 فتراجع إلى وادي ريغ.
وفي سنة 1843 اتجه إلى جبال أولاد سلطان وبقي فيها مدة عام ونصف أصبح فيها المكان معقـلا كبيرا للمجاهدين والثـوار الذين تمكنوا من توجيه ضربات موجعة ومتتالية للقوات الفرنسية المتواجدة بمنطقة نقاوس. خلالها توفيت والدته الحاجة رقية، فدفنت بساحة مسجد سبع رقود بنقاوس .
وفي عام 1844 طلب الفرنسيون نجدات عسكرية إضافية من سطيف قادها الجنرال/ سيلاق/ إلى جانب ستة ألوية و500 فارس بغرض القضاء عليه نهائيا، حيث قصدوا المكان المسمى لبيار بمنطقة بوخلف ضواحي نقاوس أين كان يتحصن مع رفاقه الثوار، فجرت معارك ضارية لمدة 15 يوما استشهد فيها عدد كبير من أتباعه ومن المجاهدين الذين دعموه في تلك الفترة والذين بلغ تعدادهم أكثر من 700 فارس من أعراش نقاوس و مناطقها، من أولاد سلطان، أولاد سلام و أولاد علي ، إضافة إلى القبائل المجاورة المؤيدة له، وعلى إثر مرض فاجأه اضطر إلى الانتقال إلى منطقة منعـة، فزحفت القوّات الفرنسية وتم الاستيلاء أخيرا على منطقة نقــاوس.
استمرت عاصفة المقاومة بالأوراس فلم تهدأ ولم تتوقف رغم ما جندته لها القوات الاستعمارية الفرنسية وقتها لوأدها في مهدها وفي بداياتها الأولى ولكن ذلك لم يتحقق لها. فكانت لا تنطفئ مقاومة إلا وتفجرت ثورة أخـرى أكثر تنظيما وأكثر قسوة . فبالاضافة إلى معركة باتنـة الشهيرة خلال شهري مارس و أفريل سنة 1844 والتي شارك فيها لوحدها 4000 مقاتل، وقعت في نفس التاريخ بكل من بسكرة و مشونش معـارك بين وحـدات الجيش الفرنسي ورجال أحمد بلحاج خليفة الأمير عبد القادر، تبعتها حمـلات متكررة شرسة ومدمرة من قبل الجيوش الفرنسية التي تكون قد شعرت بالقلق ازاء هدا النطاق المنتظم في المقاومة ، فقررت دخول الأوراس بجيش كبـير وتتبـع قيادته الشرسة بغرض تفكيك البنى التحتية لتلك القاعـدة الدفـاعية الكبرى هناك، قاده عشرة ضباط عامون وسامون على رأسهم الجنرال/ بيدو/ قائد فرقة قسنطينة والكولونيل/ ماكماهون/ والجنرال/ لوفسار/، حيث دامت هذه الحملات غير المتكافئة وذلك باستعمال سلاح المدفعية، شهرين كاملين ماي وجوان سنة 1845، اصطدموا خـلالها بمقاومة عنيفة من السكان، من وادي عبدي وقبـائل أحمرخدو، بنوبوسليمان، بنووجانة، العمامرة، اولاد عبدي، أولاد داود، وكان آخرها لقاء حيدوسة بواد عبدي وثنية العابد وفج القاضي،الذين استغلوا فيه كل امكانياتهم وأسلوب الكر والفر.
إلا أن الفرنسيين تمكنوا في الأخـير من إرغام أحمد باي على الاحتصان بقلعة أكباش بأحمر خدو، وإجبار أحمد بلحاج على النزوح نحو منطقة الجريد بالحدود التونسية.
وعلى الرغم من انتهاء أحمد بـاي واختفاء أحمد بلحاج، تواصلت مقاومة سكان الأوراس برفضهم دفع الضرائب وطاعة القياد ممثلي السلطة الفرنسية، مما أدى بالفرنسيين إلى تنظيم حملة ثانية ضد الأوراس سنة 1848 بقيادة الكولونيل/كاروبير/ قائد شعبة باتنة العسكرية بالنيابة، لإخضاع بني وجانة، أولاد داود، العمامرة وأولاد عبدي من جديد وحملهم على الطاعة، ثم في شكل استجابات لنداء رجال الطريقة الرحمانية بصفة خاصة سواء من داخل الأوراس أم من خارجه.
كما أن ثورة الزعاطشة التي كان فيها لسكان الأوراس دوركبير ضد القوات الفرنسية ، شاركت فيها قبائل كثيرة من بني فرح، بني امعافة ، أولاد افضـالة، أولاد زكـري و أولاد زيان بمنـاطق عين التوتة والأخضر حلفاوي و أهل نارة و أولاد علي بن صابور وأولاد سلطان على الخصوص ، هؤلاء الذين عرقلوا الإمدادات المتوجهة إلى بسكرة والزعاطشة بحشود كبيرة، وعلى رأسهم عبد الحفيظ شيخ زاوية خيران يعضده في ذلك سي الصادق أو الحاج شيخ زاوية مصمودي . فكان أن شهدت الجهة قتالا عنيفا بين القوات الفرنسية والمقاومين بالواد الأبيض قرب سريانة يوم 17 سبتمبر 1849، حيث دوت فيها المدافع بقوة وعنف كبيرين، اعترفت آنذاك السلطات الاستعمارية الفرنسية بأنهـا أعنف مقاومة في إفريقيا في تلك المرحلة ، بحيث تكبد فيها جيشها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد وسقط فيها القائد الفرنسي سان جرمان، فكانت ثورة الزعاطشة بحق ثورة تحالف شيوخ الطريقة الرحمانية، وتجلى فيها بوضوح الدور القيادي لهذه المؤسسات الدينية، وانتشرت الثورة بعد ذلك.
في حين قام الفرنسيون بتخصيص حملتين لقرية نارة في أقل من ثمانية أشهر،كانت إحداها بقيـادة الكولونيل/كاربيسيا/ انتقاما من سكانها لدعوتهم للثورة في أفريل من سنة 1849 ، أما ثانيها فقد كانت بقيادة الجنرال/كاروبير/ بتاريخ 06 جانفي1850 بسبب مشاركة أهلها في ثورة الزعاطشة و إيوائهم للثائرين من خارجها.
فكان أن تمكن الفرنسيون من تكسير شوكة المقاومة ولكنهم لم يستطيعوا القضاء على الروح التي بقيت تسري بداخلها .. فكانت بعد ذلك ثورة 1871 والتي شاركت فيها جميع جهات الأوراس وقد ميزها في الشمال الغربي انتفاضة أولاد سلطان ( )والتي تجلت أكثر في ثورة سحنون بن الغضبان من نقاوس سنة 1871-1872، المعروف ببوثعلاوث والمشهور بصاحب فكرة مدفع كروش التي أحدثت هلعا كبيرا وسط القوات الفرنسية..، وذلك بمعية رفيقه سليمان بن عيسى وحوالي 200 رجل من أولاد سلطان ومن عرش أولاد طالب ومن قبائل الشريف بن علي و سي الحداد انطلاقا من الجهة الشمالية الشرقية من نقاوس في مكان يدعى البطحة.
وإذا كان التاريخ لا يزال يحفظ لنقاوس مشاركتها إلى جانب المقراني، فإن نواة الثورة بها ظلت قائمة وظلت معها روحا تسري، فبعد ثورة الأوراس الشهيرة سنة 1879 بقيادة محمد أمزيـان بن عبد الرحمن بن جارالله، تلتها فيما بعد انتفاضة أولاد سلطان سنة 1916 والتي تجسدت أكثر في ثورة عمر أو موسى وكان من نتائجها فيما بعد، قيـام الثوار الجزائريين بالإعـلان ولأول مرة في التـاريخ عن ميـلاد الجمهورية الجزائرية بتاريخ 26/04/1916، بعد اجتماع إثر انتصـار لهم على الجنود الفرنسيين في إحدى المعارك بعين بومقر جنوب نقاوس ببلدية بومقر حاليا.
وهنا نشير إلى الدور الكبير لزوايا الرحمانية وزاوية بن دردور بواد عبدي والمدارس التابعة لمختلف فروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنتشرة هناك، في امتداد روح المقاومة واستمرارها على وجه الخصوص، والتي مهدت وساهمت إلى حد كبير فيما بعد في انفجار ثورة نوفمبر العظيمة انطلاقا من الأوراس الأشم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق