كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح4

الحلقة الرابعة

برغم الحضور الفرنسي القوي بأكثر من 17 وقافا على مستوى 17 مشتة، إضافة إلى المراكز العسكرية هنـاك وبالحامة وأطفي، إلا أن مراكز جيش التحرير فاقت كثيرا في مناطق وجبال أولاد علي بالقصبات، من بينها مراكز كل من محمد بن لمبارك برو بواد الحجاج، لخضر بو عبد الله بتسامرت، مستشفى الحاج الزيتوني بن مسوس بالهماجة، بلقاسم بن سالم بتغانيمت، عبد الله العياط بن موسى بثنية السدرة، محمد مذكور بالخليج، قاسم ومبروك مسوس بالحمام، السعيد بن مسوس بن الصـالح وعمار بوفنيك بالطباقة، فاتح بن عنتر بالخندق، عيسى قماز بباجرو، سحنون بوشارب بأولاد خلاف، الصالح بوغرارة ولخضر بوغرارة بعمارة، خلاف العيد بن احمنـة، الدراجي بن ازديرة بالهنشـير، مركز بورزام بشعبة القصبات والذي تعرض للقصف من طرف القوات الفرنسية باستعمـال الطائرات، إذ لاتزال آثار ذلك الى الآن، بالإضافة إلى مراكز سعد برو وعلي بن الحـاج برو بلعطير، موسى وعمر شنوف بشعبة بويلف، عمار شلوي بالسرابتة، سايح خليفة بالقرب من الجزار، علي بن لخضر غندور بواد الحجاج، اسعيدي بالخندق، العيد بن احمنة جيلالي بتونبايت، غدادة مبارك للمساجين ببلعطير،حمو بلجمعي بوروبة بالخندق، علاوة سويهر بعين تاسة، مبارك بوطارن بالحوض، عبد القادر بن دايخـة بقطاف، محمد بن العيد دباب برأس القـص، العيد بن الصالح بن موسى بالقنـاص، لخضر بن سلولف بثنية السدرة، العيـد بن الصالح بن موسى بالقنـاطس، علي بن احمنة تحرور بشوعب، سعد بن الدراجي بلعباس بالخليج، محمد بن احمنة بن اخليفة بأولاد اسباع ، اعمر بن النوي بفم الرصفة، محمد بن الدراجي بلمسوس بتسـامرت، مبـارك الحقفصي ببويلف نانة مريم غندور بوادي الحجـاج، الصـالح لمودع بالخليج، العمري طشوعة وحـدة بثنية السدرة، لخضر بوعبد الله وأحمد بن خليفة بوادي الرماش، الدراجي بن حموبوروبة بعيون الجريد، أحمـد توكة، أحمد برش وعيسى تخنوني بكندة، موسى لعنـاني بجرمية، الجمعي بن الزاوي بكاف غـزالة، سعد بن منصوربالهماجة، الدراجي همال بعين تاسة، محمد همال وعـلاوة سعداوي بشعبة السبـاع، الطاهر بن الزاوي بالهمـاجة، أحمد بكعـالة، موسى بن خضرة ومحمد ضيف الله بتانويت، الطاهر عثامنة بأولاد انصر، لقـرع وامحمد الدوادي برأس العيـون، والمستشفى العسكري التـابع لجيش التحرير بداخل جبل قطيـان..، بالإضافة إلى المخابئ المخصصة لإخفاء مواد التموين والأسلحة ومعامل الخياطة وصناعة الأحذية والألبسة العسكرية و أخرى للإستعمال الإداري وصناعة الألغام .. مما جعل الجهة تصبح فيما بعد منطقة محررة ومحرمة على القوات الفرنسية، وفي المقـابل قاعدة عسكرية لمسـئولي جيش التحرير بالولاية الأولى، وهوما أهلها لاحتضان أول إجتمـاع لإطارات الثورة للولاية الأولى وآخر للولايتين الأولى والثانية وذلك بمنطقة عمـارة بالقصـبات أواخر شهر مارس1956.
هذه المراكز كانت تتخذ من الأكواخ المتواضعة ومخابئ تحت الأرض، والكهوف والمغارات الطبيعية بالوهاد وببواطن الجبال بعدما يتم إدخـال بعض التعديلات والإصلاحات عليها لتؤدي فيما بعد الوظيفة المنوطة بها، مصـدرا لأمنها واستمرارها، و ظلت تعمل تحت إشراف جيش التحرير، وكان السكان أسـاس أمنها وتموينها واحتضـان المجاهدين بها إلى غاية الاستقلال.
كما ظلت قبلة للعديد من رموز وقيادات كبيرة أثناء الثورة أمثال:
مصطفى بن بولعيد، عميروش، بن جلول، الحاج لخضر، فرحات عباس، حيحي المكي، محمد الشريف عباس، القائد أحمد، عبد السلام بوشارب، السعيد بوراضي، عزيل عبد القادر ويوسف يعلاوي.

شخصية البطلة مريم بوعتورة
في سطيف ظلت مريم حائرة أكثر وأصبحت الطفلة لا تنام، فبدل القبلة كانت تصحو دوما إمـا على وقع الرصاص أو على دوي قنبلة، وتمر الأيام ولكن مريم لم تنس صيحات الجهاد والمقاومة وهي تدوي من خلف جبـال الأوراس الشامخة وبخاصة من قطيان، أولاد سلطـان، بوطالب وأولاد سـلام… فضاء طاهر للشهادة، وهي التي ارتوت من ماء عين الفوارة بـ / سطيـف، فكان لا يغادر تفكيرها إلا شيء واحد ظلت تساءل نفسها وأمها باستمرار في محاولة لفهم أكثر.. من هم أولئك الذين يضربون من وراء الجبال..؟!
كان الأب عبد القادر يحكي قصصا ليس من نسج الخيـال، فظلت أذناهـا تلتقط كل ما يدور وما يحكى عن بطولات سكان الأوراس منذ يوغرطه مرورا بالكاهنة إلى المقاومة الشعبية ومختلف الثورات التي لم تتوقف والتي كانت الأرضية الصلبة التي مهدت وساهمت إلى حد كبـير فيما بعد في انفجـار حرب التحرير الكبرى ليلة الـ 01 نوفمبر 1954 بقيادة صقر الأوراس الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد رحمـه الله إنطلاقا من محراب الثورة والحرية الأوراس، لتشع بذلك مختلف منـاطق الجزائر و منها نقاوس التي ظلت تتحرك فيها يده الثورية منذ البدايات ..!
والأكيد أنها وهي تكبر مع الأيام،كانت المدللة تصغي بشغف كبير لتلك الحكايا التي تتحدث عن رفض الإستعمـار بكل أشـكاله، وعن مشاركة سكان الأوراس في مختلف الثورات الشعبية التي خاضوها ضـد الغزاة وبطشهم.
والأكيد أيضا أنه في ذلك الحين كان يكبر بداخل الطفلة مريم لهب جديد من لهيب الثورة المقدس غذته صور الحيـاة اليومية القاسية والواقع المر الذي ميزه القمع، الاعتقال، القتل، التشريد والتهجير.. !
تحسنت وضعية عائلتها كثيرا نتيجة استقرارها بأحد الأحياء الراقية بسطيف والمسمى آنذاك بـ/ الشومنو/، ومكنت مهنة أبيها من أن يجعلها عائلة ميسورة الحال ، وشيئا فشيئا أصبحت أغنى بكثير وأحسن حالا من معظم كثير من الأسر الجزائرية .
فكانت الفتاة الشابة تقتني أجمل الثياب من مشتريات والدها الذي امتهن آنذاك تجارة الملابس الفاخرة، وكانت تلبس أحسن الموضات أفضل بكثير من ابنـاء وبنات مختلف الأسر الفرنسية، وربما ثقـافة المحيط الذي انتقلت إليه أثر بدوره في شخصية مريم فبات مظهرها الخارجي و تسريحة شعرها يبرزانها في صورة الفتاة المتحضرة والراقية جدا، وقد زادها في ذلك وجهها المشرق وجمالها الأخاذ ورشاقتها، فكانت في ربيعها كالشمس..!
ازدادت المرأة جمـالا وهيبة أكثر عندما أصبحت امرأة إشعاع وتنوير ونضال.. امرأة مثل عليا وقيم رفيعة نبيلة، وامرأة قضية وفكر..ولا سيما بعدما مكنها مستواها العلمي الجيد من الالتحـاق بثانوية/ أوجان ألبارتيني/ بسطيف، مليكة قايد حاليا، وإنهاء المرحلة الثانوية فيها بتفوق كبير.
ومع ذلك فقد استطاعت أن تروض في نفسها غريزة الأنثى وأهواء حواء، فلم تفتح بابـا للنسمات ولم تترك نفسها لهواها فحصنتها وقهرت الشيطان، وقررت ألا تترك مشاعرها النبيـلة الطـاهرة في مملـكة الحب لسيمفونيات الشباب وأساطير روميو و جوليات تعزف ألحـانا، غير لحن واحد آمنت به هو حب الوطن لا غير رغم المحاولات المتكررة لزملائها في الدراسة للتقرب منها أكثر، وربط عـلاقات عاطفية معها وهم الذين انبهروا لجمـالها وهيبتها فكانوا يلقبونها باسم الممثلة الإيطـالية ذات الأصول التونسية/كلوديا كاردينال/، التي اشتهرت في تلك الفترة من خلال فلمها السينمائي الناجح آنذاك/ LE GUEPARD /
فكانت تفضـل الجلوس إلى صديقتها حورية مصطفاي وخـلال الذهـاب والإياب كثيرا ما تكون لوحدها، وفي بعض الأحيـان رفقة عبد الوهاب خبابة اومـع زميلتها/كروزا/ ابنة أحد المعمرين هنـاك، فكانت مهابة في شخصها ومحترمة جدا ولا تكلم أحدا في الطريق. ولما كان زميلها عبد الحق خبابة من ثانوية/ أوجان ألبارتيني/ للذكور وجارها في الحي الذي تسكنه وهو الذي كـان يصغرها سنا آنذاك، يكشف لها حين عودتهما من الدراسة عن عيـون الإعجاب التي تلاحقها لكثير من الفرنسيين وبخاصة بعض الطلبة منهم، والذين كانت لا تعيرهم اهتماما إطلاقا لأنهـا كانت تحتقرهم وتحمل لهم كراهية وحقدا كبيرين،فكانت ترد عليه بلغة/ فولتـير/ قائـلة: (Laissez les regardés ses pauvres qans..!)
في حين كانت تعطف باستمرار على زميلاتها الجزائريات اللائي كن يدرسن معها، فكانت تساعدهن كلما استطاعت ذلك و تأخـذ لهن ما يكفيهن من ألبسة و أحذية من محلات ابيها دون استشارة أحد في ذلك، كما كانت تتضامن معهن وترأف لحالهن كثيرا ..

يتبع…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق