كشكول

على حافة السياسة :في مخرجات مؤتمر برلين حول ليبيا

بعد يومين من الترقب وانتظار مخرجات مؤتمر برلين 2020 الذي نال اهتمام سكان ضفتي منطقة البحر الأبيض المتوسط، لم تكن القرارات المنبثقة عن هذا المؤتمر في مستوى التطلعات خاصة وأن كبار العالم وبعض صغاره التقوا لساعات قليلة وتفرقوا والأوضاع في ليبيا ماتزال على حالها، واحتمالات عودة المعارك مازالت قائمة خاصة وأن طرفي النزاع لم يظهرا في خلفية المشهد، رغم وجودهما في العاصمة الألمانية وهذا يعني بأن الكواليس فعلت فعلتها، وأن القرارات والإجراءات غير المعلنة ربما تكون أكبر وأكثر تأثيرا من القرارات المعلنة.

12 دولة و4 ساعات وقرارات غير حاسمة

اتفق المشاركون في مؤتمر برلين على احترام قرار الأمم المتحدة بحظر نقل الأسلحة إلى ليبيا. وأشارت ميركل لدى إعلانها مخرجات هذا اللقاء إلى موافقة المشاركين في المؤتمر على عدم تقديم أي دعم عسكري للأطراف المتصارعة في ليبيا مع استمرار وقف إطلاق النار، ما يعني أن الدول غير المشاركة غير معنية بهذا القرار، في إشارة إلى الممولين غير المباشرين للحرب والذين لا يظهرون في المشهد عادة لكن الجميع يعرفهم. كما اتفق الحاضرون أيضا على عدم التدخل في النزاع الليبي، واحترام وقف إطلاق النار والعودة للمسار السياسي، في غياب أي آلية لضبط مفهوم عدم التدخل وكذا مفهوم الحوار والمسار السياسي الذي لم تعرفه ليبيا منذ نصف قرن، والذي لا يعرف الليبيون كيف يبدؤونه، وسط تضارب كبير في وجهات النظر بين من يدعو إلى تشكيل جيش جامع تنصهر فيه الميليشيات المسلحة كلها، يقوم بنزع السلاح وصياغة عقيدة موحدة للجيش الليبي مع ضرورة الانتشار في كل التراب الليبي، وعند السيطرة على الوضع تماما يتم تأمين مسار سياسي برعاية الجيران والأصدقاء يبدأ بالانتخابات الرئاسية ثم التشريعية والمحلية وبذلك يتم بناء الدولة الليبية غير الموجودة أصلا من الأساس.

وهناك آراء تدعو إلى وجود مسار سياسي يتم من خلاله حسم مسألة الشرعية ثم الشروع في تشكيل جيش وطني، وهذا المسار غير مأمون النتائج لأن الشعب الليبي المسلح والمدرب على القتال لا يعرف أبجديات السياسة وإذا مارسها فبالأسلحة وهذا ما كان يحصل من الإطاحة بالقذافي، ولذلك وجب حسم أمر السلاح قبل أي مسعى آخر سياسيا كان أم لا، حيث تعقد آمال كبيرة على الاجتماعات الأخرى المنتظمة التي تشرف عليها الدول المجتمعة في برلين لضمان استمرار العملية (السياسية) حتى يحصل الليبيون على حقهم في السلام وخاصة اللجنة العسكرية (5+5) لمناقشة وقف إطلاق النار التي ستجتمع الأسبوع المقبل.

كل مؤتمرات برلين.. كانت من أجل تقسيم الغنائم

انعقد مؤتمر برلين 2020 حول ليبيا، بمشاركة 12 دولة هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا وتركيا وإيطاليا ومصر والإمارات والجزائر والكونغو، و4 منظمات دولية وإقليمية هي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وهذه ليست هي المرة الأولى التي تشهد فيها هذه المدينة الألمانية مؤتمرا حول قضايا متعلقة بإفريقيا، حيث انعقد مؤتمر آخر في برلين سنة 1878 أين التقت القوى الأوروبية الكبرى مع الدولة العثمانية بعد انتهاء الحرب الروسية العثمانية بهدف إعادة صياغة معاهدة سان ستيفانو وإبقاء السيطرة العثمانية على إسطنبول، أين تمت إعادة الأراضي المعطاة لمملكة بلغاريا إلى العثمانيين ، وأبرزها مقدونيا.

وفي سنة 1884 عقد ببرلين أول مؤتمر استعماري بين الدول الأوروبية المعنية بالاستعمار، لإقرار الوضع القائم في إفريقيا وتنظيم التجارة في ما بقى من أراضي القارة، ووضع مبادئ عامة لمنع اصطدام القوى الاستعمارية ببعضها البعض، ولذلك كان مؤتمر برلين ملتقى دولي لتنظيم عمليات السلب والنهب في القارة الأفريقية وإضفاء الشرعية الدولية على التهام القارة، حيث لم يكن رؤساء القبائل الحاضرة يقدرون معنى المعاهدات التي وقعوها، ووضعت بلادهم تحت الحماية الاستعمارية على اعتبار أنهم لا وجود لهم في نظر القانون الدولي.

ضاع كبرياء العرب،  من حطين إلى برلين

لقد كانت معركة “حطين” معركة فاصلة بين الصليبيين والمسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وقد وقعت سنة 1187 م بالشام وانتصر فيها المسلمون، وأسفرت عن تحرير مملكة القدس وتحرير معظم الأراضي التي احتلها الصليبيون.. اليوم يجتمع أحفاد هؤلاء في برلين وعينهم على نفس الجغرافيا وبحضور أحفاد أولئك المتصارعين على رمال الصحراء وما تحتها من بترول، فإذا استحضرنا المفاهيم الحضارية في إدارة الصراع الدولي في المنطقة وجب علينا العودة إلى التاريخ واستنطاقه بهدوء لنكتشف بأن ما يحدث لا يعدوا أن يكون دورة جديدة من دورات التاريخ، وأن الكبار الذين اجتمعوا في برلين كانوا يبحثون عن نصيبهم من جغرافيا وثروات ليبيا، وليس على مصالح الشعب الليبي المسكين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق