روبورتاجات

“عندما تبعث الحياة في رحم أرض عاقر”

قرية هيرث بتكوت .. تاريخ ..جمال وأصالة

على بعد 13 كيلومتر من مدينة تكوت، وعبر طريق ترابية غير صالحة للتنقل، تجذبنا قرية هيرث “المنسية”، التي تعج منحدراتها بخيرات وبساتين غناء، تعيد الحياة للزائرين بعدما فقدوها لعقود مضت، وبجهود بسيطة للغاية وإمكانيات شبه منعدمة، يتحدى أبناء المنطقة تضاريس الطبيعة وقساوة الجبال وعنادها وتهميش المسؤولين لإعادة الحياة لكل شيء في هذه القرية.

البداية كانت عبر طريق فرعي من بلدية تكون نحو قرية هيريث والتي قطعناها في حال يرثى لها بسبب اهترائها وحفرها دون تعبيدها وتهيئتها من قبل المسؤولين رغم المطالب المتكررة بضرورة تعبيدها نظرا لصعوبة التنقل والوصول للقرية، حيث يواجه سكانها عوائق عديدة في جميع الفصول بهدف الوصول لمنطقتهم التي تحوي حاليا بساتين غناء بمختلف الخضر والفواكه، فبمجرد هطول أمطار نسبية فقط تعج الطريق بالأوحال وتستحيل حركة التنقل عبرها، ناهيك عن فصل الشتاء الذي تكثر فيه الثلوج بالمنطقة والتي تعرف ببرودتها الشديدة شتاء وحرارتها صيفا، وهو ما يجعل سكانها يتخذون من “العولة” منفذا لهم للاستغناء عن التنقل أثناء فصل الشتاء لصعوبة المسالك وتوقفها بشكل نهائي.

 

تربية النحل وبساتين للفواكه والخضر

تعرف قرية هيريث بمدينة تكوت، بنشاطها الواسع في تربية النحل واستخلاص العسل الطبيعي الذي يتراوح سعره بين 5000 دينار إلى غاية 7000 دينار جزائري، والذي يلقى صيتا وانتشارا واسعا عبر الوطن نظرا لجودته وقيمته الطبيعية، حيث يتخذ بعض السكان من تربية النحل الدخل الذي يساعدهم على الاستمرار والمقاومة في هذه المنطقة الجبلية الصعبة التي تركت بصمتها في مجالات عديدة ولا تزال ترفع التحدي لمواصلة نشاطاتها الفلاحية من خلال بساتين غناء اتخذها بعض الفلاحين للحصول على منتوجات طبيعية واستثنائية من خلال أشجار التفاح الذي يتنوع بألوانه وأشكاله وأذواقه أيضا، ما بين التفاح الأخضر والأحمر والأصفر والذي وقفنا على طرق غرسه، بحيث يتم جلبه من مختلف مناطق الوطن ثم الاستثمار به من خلال شجيرات صغيرة تعود بخيراتها على المنطقة التي ستصبح مستقبلا بمثابة النواة الحقيقية في تنوع منتوج التفاح وتسويقه حسبما كشف عنه أبناء القرية الذين قدموا تجارب نجاح العديد من المنتوجات الأخرى على غرار الايجاص والخوخ بأنواعه وعديد الفواكه التي عرفت تجاربها الأولية نجاحا باهرا، حيث يطمح سكان المنطقة بتحويلها إلى جنة غناء للاستثمار في مختلف المنتوجات التي من المنتظر أن تعود بالربح عليهم، خاصة بعد توفر المنبع المائي الذي استفادت منه القرية في السنوات الماضية والذي استطاع استقطاب السكان من جديد بعد هجرة سنوات مضت.

تربية المواشي هي الأخرى، من ابرز النشاطات الفلاحية لأبناء قرية هيريث التي لا تزال جبال الأوراس شاهدة على تاريخها وتضحياتها، فحسب ما كشف عنه السكان، فتربية المواشي من أهم النشاطات التي ينتهجها السكان في ظل غياب فرص العمل والاستثمار خاصة في مجال الفلاحة الذي يحتاج لأموال وإمكانيات مالية معتبرة.

 

انعدام الكهرباء يعود بالمنطقة إلى العصور الغابرة

يحكي لنا أحد سكان قرية هيريث التي تعاند الطبيعة للاستمرار ورفع التحدي وقهر الصعاب، “محمود سعيدي”، أنهم يعيشون على الطريقة البدائية في ظل غياب تام للكهرباء فضلا عن انعدام الطريق التي شكلت عزلة كبيرة بالنسبة لهم خاصة في التنقل إلى مدينة تكوت، وهو ما اعتبره بالأمر الذي جعل السكان يغادرونها ويتجهون نحو المدن المجاورة للاستقرار بحثا عن حياة أفضل لأبنائهم بعد انعدام أدنى مرافق الحياة الضرورية من مدرسة وكهرباء وطريق، وهي حسب عمي “محمود”، المرافق الأكثر ضرورة والتي من شأنها أن تستقطب السكان وتجعلهم يحافظون على انتمائهم وعودتهم بقوة لأصولهم، حيث ساهم النزوح الريفي الذي عرفته المنطقة خلال السبعينات والثمانينات في عزل القرية عن العالم بسبب انعدام النشاطات الفلاحية آنذاك وهروب اغلب السكان نحو المدن، حيث تم إحصاء نحو عشر عائلات لا تزال تحافظ على نمط عيشها في هذه القرية، فضلا عن العائلات التي تقوم بالاستثمار بها والتي تلجأ إليها بشكل أسبوعي لتفقد منتوجاتها والمحافظة عليها.

 

الاحتطاب في الشتاء و”الكانكي” للإنارة

غياب الكهرباء وانعدام الطريق، ليس الإشكال الوحيد الذي يواجه سكان القرية، بل حتى غياب الربط بالغاز وصعوبة التنقل لجلب القارورات، جعلهم يعيشون حياة بدائية خاصة في فصل الشتاء الذي تقسو فيه الطبيعة بشكل غير معقول على سكان هيريث، الذين لازالوا حسب “عمي محمود”، يقومون بجلب الحطب بهدف التدفئة والطبخ، ففي فصل الشتاء الذي تعرف الثلوج أعلى مستوى في القرية، يبقى السكان يعيشون معاناة البرد ومواجهته في ظل كل تلك الظروف القاسية دون تزودهم بالغاز، فعملية الاحتطاب بالنسبة لهم تشكل هامش الحياة هنا بعد غلق المنافذ والطريق الوحيدة المؤدية للقرية والتي تعيش في وضعية متدهورة للغاية.

من جهتهم يعود سكان قرية هيريث إلى استعمال “الكانكي”، للإضاءة والإنارة، أما آخرون فعمدوا إلى جلب مولد كهربائي يعمل بطريقة يدوية للتخلص من الإضاءة التقليدية، وذلك -حسب بقية السكان- يكلفهم غاليا مقارنة بقدراتهم وإمكاناتهم البسيطة في العيش.

 

وسكنات بنمط معماري قديم

أول ما يجذبك لقرية هيريث، هي النمط المعماري للسكنات التي تعود لأزمان غابرة من خلال بنائها بالحجر والطين وتعدد الغرف داخلها وتداخلها الذي فرضته السلطات الفرنسية سابقا في الجزائر لكسر التشابه بين بيوتها وبيوت الجزائريين، حيث لا يزال السكان يحافظون على نفس النمط ويطالبون بالعودة اليه في ظل التسارع والتنامي الذي تعرفه السكنات الإسمنتية الحديثة، حيث تعرضت العديد من البيوت خلال الاستعمار الفرنسي للقصف الكثيف الذي ساهم في تحطيمها ولكن السكان حاولوا الحفاظ على نفس النمط رغم مرور عقود على ذلك ولا يزالون يدعون لتكريس النمط القديم الذي يعكس انتماءهم وحياتهم في القدم.

شجرة “أزنزنة” تعانق المباركات والآمال

تعتبر شجرة “ازنزنة” التي تعني الشجرة المباركة في الموروث الثقافي بالمنطقة، من المعالم التي لا تزال تحافظ على بقائها ومقاومتها للزمن وتأثيراته، حيث كانت قديما معبرا مهما لزوار وحتى سكان المنطقة الذين يقيمون الولائم والمآدب بالقرب منها وذلك تبركا بها وبعطائها حسب الموروث المحلي للسكان، حيث يدعون الله بأن يرزقهم الخيرات والأمطار تحت ظلها بعد جمع السكان وإقامة وليمة تحتها، وفي أحيان كثيرة كانوا يصدقون تقربهم منها ويؤمنون ببركتها، وحسب المعتقدات القديمة فنبات هذه الشجرة يتم استخدامه في علاج آلام المفاصل والعظام ولها استخدامات عديدة تدخل ضمن الطب التقليدي، حيث لا تزال هذه الشجرة معلما هاما من معالم القرية خاصة أنها الوحيدة على مستوى منطقة الأوراس.

 

معركة جار الله شاهد على تضحيات هيريث

من المعارك الشرسة التي عرفتها منطقة الأوراس وبالضبط قرية هيريث بتكوت، ضد فرنسا الاستعمارية هي معركة جار الله في 28 ماري من سنة 1959 والتي أعطت العدو الفرنسي درسا قويا في الوطنية والمواجهة والتحدي والرغبة في نيل الحرية بعد تكبيدها خسائر معتبرة وصلت إلى حدود 200 قتيل من الجنود الفرنسيين، حيث كانت بدايتها من منطقة “هسليا عيش” تحت قيادة بلقاسم مدوري وبشينة برحايل وخلافي موسى وفايزة علي سعيدي إضافة إلى عثماني محمد لخضر وعاشورة سليمان وخلافي بلقاسم والإخوة مزياني ومزوزي وبعض المجاهدين خارج القرية مثل شاطري وقتالة، حيث شهدت سقوط 10 شهداء أبرزهم بشينة برحايل، فايزة علي ومزياني بلقاسم إلى جانب قتالة وقرباعي وآخرون، حيث لا تزال هذه التضحيات من الجوانب التاريخية المشرفة التي يعتز بها أبناء المنطقة ويفتخرون بانتمائها لهذا التاريخ العريق.

 

المنطقة تفقد مؤخرا المجاهد “سي اعمر” أحد أبطال المعركة

فقدت المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية، أحد أبطال معركة جار الله بتكوت وهو المجاهد المثقف والبطل فايزة محمد أوسي عمر المدعو “سي عمر” الذي كان كممرض ضمن كتيبة المجاهدين مع القائد مدوري بلقاسم، حيث يعتبر من المجاهدين الأوائل الذين التحقوا بالثورة وذلك عام 1956، حيث كان قبل ذلك يشتغل في الطب الشعبي وكان حكيم المنطقة وممرضا للجميع قبل أن يلتحق بصفوف جبهة التحرير ويكلف بمداواة وإسعاف الجرحى والأهالي، أين شارك في معارك عدة وقاتل بشراسة رفقة المجاهدين ويعتبر الشاهد الثاني لمعركة جار الله، بعد الاستقلال انتقل إلي باتنة واشتغل في مجال الصحة كرئيس مصلحة في المستشفي الجامعي باتنة إلى غاية تقاعده، حيث كان شخصا محبوبا ومثقفا وكريما بشهادة أهالي منطقة تكوت ويشهد به بمسيرة نضالية واسعة في صفوف جبهة التحرير الوطني، حيث توفي نهاية شهر أوت المنصرم ووري الثرى بمسقط رأسه بمقبرة شناورة بحضور عدد من المسؤولين والأسرة الثورية.

هكذا إذن جمعت قرية هيريث بين التاريخ والعراقة والأصالة، يبحث أهلها الطيبون عن أبسط حقوقهم في العودة إلى أراضيهم وأصولهم من خلال مطالب بسيطة جدا، كفتح الطريق والقضاء على العزلة وبعث الحياة من جديد فيها من خلال مرافق ضرورية وتوفير الكهرباء، محلين على التمسك بأصالتهم وهويتهم وطبيعة انتمائهم رغم قساوتها وصعوبتها.

فوزية قربع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق