مواسم البوح

عندما تنسى كيف تحتفل

قصة

كانت الستائر منسدلة، والأضواء منطفئة بإحدى الغرف التابعة لإحدى المهاجع الجامعية الخاصة بالطلبة الذكور. لقد قطع رنين الهاتف المحمول حالة السكون الرهيبة التي كانت تخيم على الغرفة، لكن لا حياة لمن تنادي، فلا أحد يجيب على الاتصال. لما طال رنين الهاتف، بدأ عصام يتحرك من تحت الملاءة وكأنه قد استسلم أخيرا بعد عدة محاولات من التجاهل. ارتفع ذراعه نحو الطاولة المتواجدة بجانب السرير، ثم رفع سماعة الهاتف. لم يكن الصوت غريبا عنه، فبالرغم من صراخ زميله سامر في وجهه إلا أنه لم يكترث البتة لما كان يقوله. كان صديقه يحاول إقناعه مرارا وتكرارا لحضور حفل التخرج إلا أن عصام أغلق الخط في وجهه ليعود إلى حالة الموت المؤقت. بعد مرور نصف ساعة كان لزاما على سامر العودة إلى المهجع وإحضار زميله مهما كلف الثمن، فرئيس الجامعة قد جن جنونه لعدم وصول عصام، هذا الطالب المتفوق والذي تحصل على المرتبة الأولى على مستوى الجامعة. فحسب تقاليد الجامعة وأعرافها فإن الطالب ذا المركز الأول يتوجب عليه إلقاء كلمة أمام جميع الطلاب والصحافة لإثبات المستوى العالي لجامعتهم. من حسن حظ سامر أن الجامعة لا تبعد كثيرا عن المهجع الطلابي، لكن ذلك لم يهمه كثيرا فلقد كان مستعدا أن يقطع عشرات الأميال، المهم أن لا يرى تلك النظرات المخيفة لرئيسهم والذي صب جل غضبه عليه. لقد كان يندب حظه العاثر، فمن المفترض أن يكون سعيدا بتخرجه إلا أن عدم حضور صاحبه عكر صفو مزاجه، وقلب الموازين إلى الأسوأ.

طرق سامر الباب بقوة لكن لا أحد يفتح الباب مما اضطره إلى كسر باب الغرفة وسط ذهول مسؤول الجناح والذي توعده برفع شكوى ضد عمله التخريبي، لكن سامر لم يلقي له بالا، بل إنه دلف إلى الغرفة بسرعة ليجد صديقه متلحفا ومتدثرا بالغطاء بالرغم من حرارة الجو.

-ما الذي تفعله؟ هل جننت؟

-ماذا أفعل؟ أنت هو الذي جننت. هل تعلم ما هذا اليوم بالنسبة لنا؟ إنه يوم التخرج الذي انتظرناه وبشدة. هيا انهض.

قبل أن يعترض عصام على الأمر إذ بسامر ينضح الماء في وجهه ثم أخرج بدلة التخرج الخاصة بزميله وألقاها فوق السرير مخاطبا إياه بلهجة تحذيرية: إياك أن تتأخر.

بدأ الطلاب وأهاليهم بالتوافد إلى الجامعة، وفي هذه الأثناء كان سامر ينظر إلى ساعته تارة، وإلى وجه المدير الغاضب تارة أخرى. بينما كان في حالة من الهلع و الترقب، إذ بعصام يطل من الباب. لم يتمالك سامر نفسه، فهرع إلى صديقه حتى إنه تعثر وسقط، لكنه لم يهتم للأمر، ففي نظره فلتذهب ساقه إلى الجحيم، المهم أن صديقه قد أتى.

خيم صمت رهيب بعد أن اعتلى عصام منصة الشرف. أخذ الميكرفون بيده اليمنى قائلا: النجاح سيكلفك شيئا باهظا ، وباهظا للغاية… همس سامر في أذنه: ما الذي تفعله أيها الأخرق؟ الكلمة الترحيبية أولاً، لكنه أكمل قائلا: كما كنت أقول النجاح سيكلفك شيئا باهظا، وباهظا للغاية…. النجاح يأتي مقابل ثمن أكبر من المال… النجاح ليس شيئا يمكنك الحصول عليه بسهولة، بل يجب عليك أن تعاني للحصول عليه، ولكي تحققه يجب عليك التخلي عن أشياء عديدة كنت تحبها وتقدس فعلها في الماضي. يجب عليك الاستعداد للأسوأ… ستكون مجبرا على تخصيص وقت أكبر للدراسة، ستنام قليلا فقط، ستكون معرضا للأرق والتعب الشديدين…. النجاح عبارة عن رحلة طويلة…طويلة…طويلة وموحشة في الوقت ذاته… ستكون وحيداً، فهل أنت مستعد؟… ولكن خلال رحلتي الطويلة والتي طاردت فيها النجاح بكل قوتي، أدركت كم أن نجاحي فارغ وأجوف للغاية… العلاقة مع عائلتي. أجل، أنا حقا أريد العودة إلى الوراء كي أتمكن من صنع ذكريات أكبر مع أمي… كانت كلما تحدثني، أتحجج بأنه لا يوجد لدي وقت كافي… أنا الآن أدرك كم كنت غبيا لأنني لم أخصص وقتا لتلك اللحظات العظيمة والتي لن تعوض أبدا… لقد غادرتني أمي إلى مثواها الأخير بالأمس. أعتقد أنني لن أستطيع الاحتفال اليوم… أو بإمكانكم القول بأنني نسيت كيف أحتفل.

نزع عصام بذلة تخرجه وأخذ شهادته ثم غادر القاعة وسط ذهول الجميع. لم يدر أين يتجه أو إلى أين يذهب لكن قدماه جرته جرا إلى قبر والدته. وضع بذلة تخرجه وشهاداته فوق قبرها ثم دخل في حالة بكاء هستيرية.

جداي إيمان/ تبسة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق