كشكول

عن كثب

صناعة الطغيان

تعكس وسائل الإعلام عادة نمط معيشة السكان المستهدفين من مادتها الإعلامية، كما تعبر مضامينها عن جزئيات كثيرة تتعلق بالسلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها.. في الجزائر تشرئب الأعناق منذ فتح المجال للسمعي البصري إلى الشاشات، على مدار الساعة وخاصة إلى الأشرطة الحمراء التي تبث الأخبار العاجلة.. تلك الأخبار التي صنعت مشهدا فوضويا في النمط الاتصالي المعتمد بين الحكام والمحكومين، والذي انتهى بالحراك الشعبي الذي لم ينته بعد.

كثيرون كانوا يتوقعون تغير النمط الاتصالي السابق بعد الحراك الشعبي الذي أسقط الكثير من التقاليد السياسية البالية، إلا أن وسائل الإعلام لم تتكيف مع الوضع وبقيت رهينة النمط السابق، تتتبع كل صغيرة أو كبيرة يقوم بها الرسميون وتبث حركاتهم وسكناتهم كعواجل على شاشاتهم، ثم تعقبها الحصص المطولة لشرح وتحليل وتبرير أفعال وأقوال المسؤولين، في غياب أي محتوى إعلامي ينتقد أو يثبت خطأ الرسميين، وفي غياب أي مجهود استقصائي لطرح المشكلات الحقيقية للسكان وما أكثرها.. وهذا من صميم العمل الإعلامي الحقيقي الذي يتخذ من المصلحة العامة ومن انشغالات الناس وسيلة لتقمص الرسالة الإعلامية المرجوة.

لقد تغيرت الكثير من المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكن الإعلام الجزائري لم يتغير وبقي مرتميا في حجر السلطة يقدس أفعالها وأقوالها وينقل همسها قبل كلامها، وبذلك فهو يعيد صناعة الطغاة ويكرس الوثنية كمذهب في التعامل مع الحكام، حيث لا يمكن تبرير ذلك بوجود تضييق على حرية الإعلام أو توجيه شوفيني لها، ولكن يبدوا أن الطبع غلب التطبع، وبالتالي وجب البحث عن أصل المشكلة في سوابق ملاك هذه القنوات لمعرفة ما يفرمل عمل الصحفيين، وقبل ذلك إيجاد مبرر لهم بغياب قانون يضبط حقوقهم وواجباتهم، حيث استثمر النظام السابق في هذا الفراغ وحول القنوات الكثيرة الموجودة في المشهد الإعلامي إلى مجرد يتيمات بترددات مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق