إسلاميات

عواقب الاستكبار الوخيمة في الدارين ووجوب الحذر منه

قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ سورة النحل الآية 23

إن مما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الخَصلة الذميمة، والصفة الممقوتة، المفسِدة للعقول والأخلاق، ألا وهي صفة التكبر والكِبْر، والكبرياء هي العظمة يجدها الإنسان في نفسه بسبب ما حَبَاه الله به من عِلم أو مال أو جمال في الخَلْق، أو رفعة ومنصب أو قوة في الرأي، وما علِم هذا المسكين بأن الواجب عليه نحو هذه الصفات هو شكرُ الله تعالى قولا وفعلا واعتقادًا؛ لأنه لم يتحصَّل عليه بحوله وقوَّته، وهذا أثر الكبر فيمن تَعاظَم عن الحق فلم يقبله ولم يلتفِت إليه؛ ولذلك استعاذ موسى – عليه السلام – بربه وخالقه من كلِّ مُتكبِّرٍ لا يؤمن بيوم الحساب، كما حكى عنه ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27]، وقد نفى الله – سبحانه وتعالى – محبته للمتكبرين، وتوعَّدهم بأنه يعلم ما أسرُّوه وما أعلنوه، قال تعالى: ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23]، والاستكبار على الحق جريمة، سواء كان الحق لله – عز وجل – أو لأحدٍ من خلقه، وهو أول ذنب عُصي الله به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].

فمن استكبر على الحق، لم ينفعه إيمانه، وكان من جنود إبليس، فالمؤمن حقا الذي إن دُعي إلى الله أجاب، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 51، 52].

قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: 48 – 50]، فمن دُعِي إلى أداء شعيرة من شعائر الدين كالصلاة والزكاة، أو إلى تَرْك ذنب نهى الله تعالى عنه ورسولُه صلى الله عليه وسلم، أو دُعي إلى حُكْم الله – سبحانه وتعالى- فلَوَى عُنقَه ولم يعبأ بذلك، فهو مُستكبِر؛ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [المنافقون: 5]، وجاء فيمن تكبَّر وتبختر في مشيته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بينما رجل يتبختر في مشيته إذ خسَف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة”.

وهذه عقوبة عاجلة لمن تبختر في مشيته وتاه، وأُعجِب بنفسه فلم يقبل علما ولا حقا، وقد جمع هذه الصفات قارون كما حكى الله – عز وجل – عنه في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76]؛ أي: تكبَّر وتجبَّر بسبب ما آتاه الله من المال الذي كان عليه محنة وابتلاء واختبارًا: هل يَشكُر أم يَكفُر؟ فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 76، 77].

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تحريم الكبر والنهي عنه كثيرة، وأَشرُّ الكبر الذي يَتكبَّر على العباد بعِلمه ويتعاظم في نفسه بفضيلته، فإن هذا لم ينفعه عِلمه.

فإن من طلب العلم للآخرة، كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان لها دائمًا بالمرصاد فلا يَغتر بها، بل يُحاسِبها كل وقت ويتفقَّدها، فإن غفَل عنها، جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكتْه، ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطِر على المسلمين وازدراهم، فهذا من أكبر الكِبْر، ولا يدخل الجنةَ من كان في قلبه ذرة من كِبْر، فالتكبر صفة ممقوتة فيها خِصال مذمومة ومضار عدة، منها: أنه لا يتكبر على أحد حتى يُعجَب بنفسه، ويرى لها على غيرها الفضل.

ومنها: ازدراؤه بالعالم؛ لأن من لم يَستحقِر الناس لم يتكبَّر عليهم.

ومنها: منازعة الله – عز وجل – في صفاته، والكبرياءُ والعظمة من صفات الله – جل وعلا – فمَن نازعه إحداهما، ألقاه الله في النار، إلا أن يتفضَّل الله – سبحانه وتعالى – عليه بعفوه ومغفرته.

ومن خصال التكبر المذمومة: أنه سبب لبغض الناس لصاحبه، وعدم صفاء الإخوان له، وإن صاحب الكبر لا يطمع في حسن الثناء، قال بعض العلماء: ما استُجْلِبَ البُغْضُ بمِثل التكبر، ولا اكتُسِبت المحبة بمثل التواضع، ومَن استطال على الإخوان، فلا يطمع منهم بالصفاء، ولا ينبغي لصاحب الكِبْر أن يَطمع في حُسْن الثناء، ولا تكاد ترى تائها إلا وضيعا ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 37، 38].

صالح بن عبدالرحمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.