العمود

غربة الغربة؟!

بعيون امرأة

ضاق الوطن رغم رحابته فلم يعد يتسع لأحلام الشباب وطموحاتهم وقضاياهم..وأصبح توقيته مرهونا برحلات بغيضة محدودة الوجهة..حيث “الهربة” شكلت هاجسا وتشكلت “رعبا” يلاحق العائلات الجزائرية التي تتحين فرصة عودة أبنائها أو معرفة مصيرهم المجهول الذي يسابق الموت والفقدان في أبشع صورة قد يراها الأهل والأقارب والأحباب..أو قد يُزج بهم في المعتقلات التي أصبحت تضج بالآلاف منهم وبحكاياهم وأحلامهم وآمالهم المرهونة خلف القضبان..
وتحولت جثث “الحراقة” المنتشرة على ضفاف المتوسط إلى خبر يومي ارتقى بامتياز إلى الواجهة الإعلامية.. بصور وفيديوهات صادمة تهز المشاعر وتربك القلوب وتلهب أحاسيس الاستهجان بقوة..
وأمام هذا المشهد الدرامي غير المسبوق في السنوات الماضية حيث كانت الحرقة مجرد مغامرة معزولة ومنفردة..بتنا نتحدث اليوم عن عائلات وأفراد ومجموعات منظمة..كل فرد منهم يحمل قناعة ويتحمل قرارا ليس بوسع أي طرف أن يثنيه عنه تماما كالمقامر..وأي مقامرة أكبر من تقديم الروح قربانا “رخيصة” على طاولتها؟!.
وربما لن يصدق هؤلاء “المغامرون” أنه بالمقابل هناك “حرقة” عكسية إن صح التعبير نحو “الجحيم” الذي يفرّون منه..وأن هناك من خلّف “الجنة الموعودة” وراءه عن طيب خاطر رغم وضعيته القانونية المستقرة و المادية، فقط لأنهم خاضوا التجربة ووجدوا أنه لا بديل عن “الوطن”..وهذا ليس “تسويق تضليلي” لفكرة قد تبدو ضربا من “الخرافة”..وإنما واقع تتعمد الجهات المعنية والإعلام المأجور تجاهله حتى يتم تأزيم الأوضاع أكثر وتعقيدها بالقدر الذي تنتعش تجارة البشر والاستعباد ومافيا التهريب واستنزاف الشباب “المغرر به”..
ويعتبر “قرار العودة” إلى أرض الوطن قرارا بطوليا بالمقارنة مع ما يحدث من أجل الخروج منه وقد ربطه أصحابه بعدم قدرتهم على العيش والتعايش في مجتمعات مشحونة بالنظرات الدونية والعنصرية للمسلمين، ناهيك عن المقررات الدراسية التي تجرّد الطفل المسلم من عقيدته وتفرض عليه طقوسا تقحمه في عوالم التناقض والحيرة والانفصام بين “دين المنزل” و”دين المدرسة والشارع”، حتى أن أحدهم قال أن أبناء المسلمين يُجبرون على أكل لحم الخنزير في المطعم المدرسي ومن يمتنع يتعرض للمساءلة والعقاب ما جعله يترك كل شيء وراءه “ويهرب” إلى “الوطن” حيث قال بالحرف “ناكلها يابسة وما نبيعش ديني”..وهؤلاء من يستحقون تسليط الأضواء والتشجيع وتسهيل إقامتهم..مقابل التكفل الفعلي “بالمواطن الجزائري” بكل فئاته والمفضي إلى الاستقرار والتخلي عن “جريمة الحرقة” ونحن نعني ما نقول لكونها جريمة بحق النفس والأهل و”البلاد”..ويكفينا ما قدمناه من زهرات كانت أولى أن تكون زينة لنا بدل نثرها قبورا مجهولة في أعماق البحر؟!.

سماح خميلي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق