مواسم البوح

غوايـــة الموناليــــــزا…

قصة

منذ أزمنة الحنين المتقطّر الذي امتصّت حلاوته من إكسير الحياة الشّائقة بين أزقة باريس الرّحبة، وتضاريسها الحالمة، وبرقصة أضوائها القزحية في لياليها العارية، تجول رفقة أشباح المارة، لتشكّل في أفقها سحبا فنية ساحرة، تأبى مفارقة أنغام نهر السّين الذي يعانق كثيرا شبق ذكرياتها القرمزية، ويتأهب للغوص في ثنايا أحلامها المبعثرة التي تركتها هناك ذات شتاء باريسيّ بارد، برودة عواطفها المتأجّجة كعاشقة تهفو لتوّها، عندها تتدحرج بسماتها مطر الغربة الموشّاة التي تزحف بين جوانحها الرقيقة، أه .. ثم آه.. لشظايا حلمك يا باريس..؟! خمنّت طويلا حين استوقفتها ورود الرّبيع، لكن ما عساها تفعل..؟ ورحلة ذاتها تتيه، وتقيّد خواطرها، وهي كشمعة ناصعة البياض شاردة اللّهب، تضمر صمتها الحاني، كونها تقيّأت رحيق أشجانها وسط جذوة نار في غابة تسكنها الرياح الهوجاء، التي تعلوها قهقهات متواصلة.. إلى أين ..؟ إلى أين ..؟ فلربما نواح المطر الأبيض البلوري قد أحيا نوافذ روحها الفياضة.. وهي تنفث صمتها الواجم بين أمواج الحنين الراكد..؟ تؤنسها في ذلك أناشيد النّوارس المحلّقة في فضاء باريس، التي تحرسها مملكة الجنّ والملائكة ليل نهار.. وتصّاعد أنفاسها المحلّقة في سماء نهر السيّن الأزرق الصّامت.. تغازله مرة، وتجافيه مرّات ومرّات في لياليها المقمرة، حتى يرقد رجل اللّيل المتبرج الذي يسكنها، كونها لم تتسلق بعد صهوة عشقه الغائب؛ غياب أحلام وأزمنة باريس..وتستوقفها أخيلة الذّكرى على حين غرّة..وهنيهة، تسألها نواميس روحها، لما يا ترى ليل باريس الطويل يغشي ظلامه أنوار عشقي، متى الخلاص منه..؟ كفاني حلما..؟ كفاني غيّا..؟ كوني عشقت روح ليل باريس، ودفأها الحميمي، أقلّب صوري، وأنا رفقة رجل الليل المشاكس، حين يشدني إليه محاولا اختلاس قبلة حارة، وأفر كعادتي حافية، باردة القدمين، ليلتقط لي ما تبقى من أنفاسي الأخيرة في لحظة هيام طفولي.. وترتعش صوري من رحم العشق بألوان زاهية، وأنا أتطلّع إلى هامة برج إيفل المدهشة، وهو ينحني لي متواضعا ليضمني إليه بحنو دافئ.. وبعد التجوال الطويل عبر شاعرية المكان وخضرته الآسرة للألباب.. أقبل الليل في خشوع تام، مسدلا آخر خيوطه .. لأرافقه إلى حيث النور الذي كنته؛ فانكشف وميض الفجر، ليلحق بي رجل الليل ويسافر بي إلى حيث بهرجة الساحات الباريسية الكبرى، وأعراسها الصاخبة التي لا تكاد أن تنتهي، وطاف بي أحياءها، وشوارعها، ولكن..؟ لم أجد لذة الروح الغائبة حلاوتها في تجوالي معه هنا في أحضان باريس ..؟ لم يدرك بأنني عاشقة متيّمة للأزمنة المتمرّدة، ومرّة أخرى، ركبت صهوة فارسي اللّيلي المختال ببرنسه الوارف، المتعقب في كل الأمكنة، كونه يجهل غواية أنوثتي المتمردة، لكنه غير آبه بما يعتريني من برود عاطفي ..؟ أتطلع إلى ذلك الغياب الذي يلفني إليه، وبعد سفرية منعشة مع رجل الليل، أخرجت من سترتي حبات الشوكولاطا الداكنة سمرتها لأمتص لذتها بين شفتي، وتذوب روحي مع حلاوتها، شدني مرة أخرى من مرفقي بحنو الأنثى، لأجدني وجها لوجه أمام متحف اللّوفر الشهير، وآثاره التاريخية القيمة، وجال بي عبر قوارب الفن التشكيلي العالمي وأنا أتيه في صالة العرض الواسعة كعروس فاتنة، وحنين مفعم يشدني لإشباع رغبتي الجامحة، وأراه من بعيد؛ إنه رجل الليل واجم كشبح أسود أمام لوحة فنية تكاد تشبهني، وأجدني أبحث عن ملامحها الأنثوية الرقيقة الغائبة، وكذا ابتسامتها الهاربة، وأسئلة تسكنني وتعتصر روحي المكبّلة خوفا من فوضاي الجنونية، الآن فقط ، تهت في أزقة باريس الدافئة، أبحث عن هويتي الضائعة، فعلا ، كم هو رائع رجل الليل المتبرج، الذي أدمى جرحي الغائر، وأدهشني شوقه الطفولي، وأنا أفر إلى مملكة صدره وأحتضنه، كما أحتضن صفحات رواياتي التي كنت أبكي شخوصها، في ليال سرمدية عجاف.. وجلت بين نوافذ مقلتيه العسليتين؛ فعلا ، إنك رسام عاشق، رسمتني بريشتك الرقيقة..  رأيت ذلك طبعا في تقاسيم وجهك، إنك فناني الغائب؛ إنك ليوناردو دافنشي… لأنهي بعد ذلك قراءة روايتي الأخيرة وغوايتها، وأترجمها ذات شتاء بدموع الموناليزا ..

الأزهر ساكر/ أم البواقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق