مواسم البوح

“فتاة من نوع آخر”

قصة

لقد كانت ولازالت مختلفة.. مختلفة تماما عن بقية أقرانها..لم تغيرها الأحداث؛ الأماكن؛ ولا مكانتها التي يحسدها عليها الكثيرون…خجولة مع الجميع ..وتراها تزرع ورود الابتسامة على شفاه كل حزين ..يملؤها الهدوء ..سلام داخلي يسكنها ..وأحيانا تشتعل عيناها جمرا موقدة نار التحدي.. سمعت عنها الكثير ..لكنني لم أر ذلك الجمر إلا عندما روت حكاية انتصارها وفخرها به أمامي حين قالت: “وبينما كنت كعادتي أرتب كتبي وأوراق دراستي على الطاولة؛ إستوقفتني ذكريات مضت.. توقفت لبرهة من الزمن لأحدث نفسي .. أليس هذا هو شهر إبريل ؟! لقد مضت سنة كاملة على شهر إبريل الفارط كيف لي أن تجاوزت كل هذا ؟..كل شيء تغير للأفضل؛ إنني اليوم طالبة طب؛ ما أعظم اختياري! لقد تغيرت كتبي عن العام الماضي؛ وأوراقي كذلك؛ أصبحت كثيرة جدا بل تغيرت اللغة أيضا ..كنت العام الماضي أشتكي من ضغط الدراسة ..وها أنا الآن أدرس عشرات الصفحات دون تنهيدة واحدة “.

.. بعد ثواني معدودة.. انتقل بي التفكير لأجد نفسي أرسم وجوه بعض الذين أعرفهم وألتقي بهم يوميا في ثانويتي؛ وتذكرت بعض أقوالهم .. تذكرت من كان يراهن على خسارتي وفشلي ..ومن كان يبحث بطريقة أو بأخرى عن وسيلة لإيقافي .. تذكرت بعض الابتسامات التي كلما نظرت إلى أعلاها وجدت عيونا لا تتوافق مع تلك الابتسامة مطلقا؛ وجدت تلك العيون التي تحفر قبري وأنا حية ؛ ولكن ماذا ؟ تذكرت شيئا آخر .. شيئا يخصني؛ لماذا كنت أقابل كل ذلك بهدوء شديد ؟ إنه ليس شيئا غريبا عني .. لقد تأصل في هذا الشيء منذ صغري .. لم أكن أكلف نفسي عناء الرد ولو بكلمة واحدة.. ههه إنه أمر لا يستحق.. مر شهر إبريل من العام الفارط ثم تلاه شهر آخر ليأتي بعده الشهر الموعود .. إنها ليلة اليوم السادس عشر منه كنت شديدة التعب ..أغمضت عيني لمدة من الزمن ثم أعدت سيناريو عام كامل في ذهني ..انتابتني لحظة من الغضب لحظتها ولكن كل شيء كان داخلي؛ ثم ابتسمت ابتسامة مختلفة تماما عما مضى وقلت:” سوف نرى؛ كلما راهنتم على خسارتي وفشلي سترون بداية جديدة لي؛ إنني محاربة… نعم محاربة وقيادية؛ وسفينتي في المقدمة… غدا وبدون منبه كغير عادتي استيقظت لأحقق ما وعدت نفسي به.. ومرت خمسة أيام لأنتظر بعدها شهرا كاملا ..مضت الأيام وكأنها سنين ..ثم أتت الساعة المنتظرة ..إنها أنا! لقد فعلتها ..كان الجميع فرحين ولكنني كنت أنظر إلى نفسي نظرة فخر وما أعظمها من نظرة !؛ ذهبت إلى ثانويتي مع أبي ولكن الدخول هذه المرة كان مختلفا..-إنه الانتصار-…ثم ماذا ؟ أين ذهب من راهن على خسارتي ؟ أمضيت تلك الليلة أتلقى العديد من التهاني؛ ثم تأخر الليل لينام الجميع إلا أنا ..أمضيت تلك الليلة أتذكر ذلك العام ..بل اثنتي عشرة سنة مضت وقد كان ختامها مسكا؛ انتصارا؛ وفخرا لا حدود له. بعد ما خسر المراهنون الرهان..لم يكتفوا بذلك ..بل واصل بعضهم الكلام ؛ ولكن! …هذه المرة الأمر مختلف عن السابق …شعرت أنني فوق قمة جبل وهم في سفحه ينادون بأعلى أصواتهم ولكن هيهات.. أعترف أن تلك السنة كانت مختلفة تماما ..إنها سنة أقل ما يمكن القول عنها أنها كونتني جيدا..جعلتني لا أرضى إلا بالأفضل؛ الأروع؛ والأسمى..جعلت التحدي الذي في مضاعفا ..جعلتني أوقن أن كل شيء بيد الله وحده ..وأن العديد من الناس يراهنون ويتسابقون على حفر الحفر للغير؛ ولكن إرادة الله تبقى أقوى من ذلك … ثم ماذا بعد ذلك ؟ أيموت فيّ الأمل وأنا من زرعت في غيري بساتين الأمل ! لا والله ..بل قليل من الهدوء ثم عاصفة قوية تزعزع قلاع ظنونهم المحصنة………

سلسبيل رضوان/ الجزائر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.