إسلاميات

فضل يوم الجمعة وتفضله عن سائر الأيام

عن عبدالله بن عمر وأبي   هريرة – رضي الله عنهم – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ليَنتهيَنَّ أقوامٌ عن  وَدْعِهم الجُمُعاتِ، أو ليختمنَّ اللهُ على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين” رواه مسلم

 إن من نِعَم الله العظيمة، ومِنَحه الجليلة، أنْ فضَّلَ بعضَ الشهور والأيام على بعض، فجعل لعبادِه مواسمَ خيرٍ يتنافسون فيها بالطاعات، ويحذرون خلالها مقاربة الخطيئات؛ ليحظوا من ربهم برفعة الدرجات، وإجابة الدعوات؛ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [القصص: 68]، ألا وإن من بين تلك الأيام التي خصَّ الله بها أمَّةَ الإسلام يومًا اصطفاه الله تعالى على غيره من الأيام، وفضَّله على ما سواه من الأزمان، يومًا خصَّه الله بخصائصَ عظمى، وشرَّفه بمزايا كبرَى، فهو من أعظم الأيام عند الله قدرًا، وأجلِّها شرفًا، وأكثرِها فضلاً، أعرفتم عبادَ الله ذلك اليوم؟

إنه يوم الجمعة، عيد أهل الإسلام الأسبوعي؛ كما روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا اليوم عيد، جعله الله للمسلمين))، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: فهو مترتِّب على إكمال الصلوات المكتوبات، فإن الله عز وجل فرَضَ على المؤمنين في كلِّ يوم وليلة خمسَ صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتِهم فيه، شُرع لهم العيدُ في يوم استكمالهم، وهو يوم الجمعة.

لقد جعل الله تعالى لأهل كلِّ ملَّة يومًا يتفرَّغون فيه للعبادة، ويتخلَّوْن فيه عن أشغال الدنيا، فاختصَّ الله عز وجل أمَّةَ الإسلام بيوم الجمعة، وأضلَّ الله تعالى عن هذا اليومِ الجليل اليهودَ والنصارى، فلم يوافقوه؛ ثبت في “صحيح مسلم” عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أضلَّ الله عن الجمعة مَن كان قبلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعةَ والسبت والأحد، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المَقْضِيُّ لهم قبل الخلائق)).

مما ادخره الله لكم في هذا اليوم المبارك: أن فيه ساعةً يُسمع فيها النداء، ويُجاب فيها الدعاء؛ كما ثبت في الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعة، لا يوافقها عبدٌ مسلم، وهو يصلي، يسأل الله شيئًا، إلا أعطاه إياه))، زاد قتيبة في روايته: وأشار بيده يقلِّلها.

وإن من أعظم خصائص هذا اليوم المبارك، ومن أعظم ما يتقرَّب به العبدُ إلى ربه في يوم الجمعة: أداءَ صلاة الجمعة التي أمر الله بها عباده جماعةً مع المسلمين؛ فهي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مَجمَعٍ يجتمعون فيه وأفرضُه؛ سوى مجمع عرفة، وقد خُصَّتْ صلاةُ الجمعة من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائصَ لا توجد في غيرها؛ من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإقامة، والجهر بالقراءة، وقد شدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من التخلُّف عن الجمعة تهاونًا بغير عذر، مبيِّنًا أنَّ مَن فعل ذلك فقد عرَّض نفسَه للإصابة بداء الغفلة عن الله، والطَّبْع على قلبه، ومَن طَبَع الله على قلبه، عميتْ بصيرتُه، وساء مصيرُه؛ روى الإمام مسلم   في صحيحه عن عبدالله بن عمر وأبي   هريرة – رضي الله عنهم – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليَنتهيَنَّ أقوامٌ عن  وَدْعِهم الجُمُعاتِ، أو ليختمنَّ اللهُ على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين))، وروى الإمام أحمد بإسناد حسن، والحاكم وصححه، عن أبي قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن ترك الجمعةَ ثلاثًا، مِن غير ضرورة، طَبَعَ الله على قلبه)).

كان من هدي نبيِّكم صلى الله عليه وسلم تعظيمُ هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وإن من أفضل الأعمال الصالحة في يوم الجمعة وليلتها: الإكثارَ من الصلاة والسلام على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أوس بن أوس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فأكثِروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ))، وروى البيهقي وغيره بإسناد حسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أكثِروا من الصلاة عليَّ يومَ الجمعة وليلة الجمعة)).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: “رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام؛ فللصَّلاةِ عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره، مع حكمةٍ أخرى، وهي أن كل خير نالتْه أمَّتُه في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته بين خيرَيِ الدنيا والآخرةِ، فأعظمُ كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعْثَهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يَردُّ سائلَهم، وهذا كله إنما عرَفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمِن شكره وحمده، وأداء قليلٍ من حقه صلى الله عليه وسلم أنْ نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته”، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

وقد ورد في فضل قراءة سورة الكهف يومَ الجمعة أو ليلتها أحاديثُ صحيحةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم منها: ما جاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((مَن قرأ سورةَ الكهف ليلةَ الجمعة، أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق))؛ رواه الدارمي وصححه الشيخ الألباني.

وروى الحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين))؛ وقد حسَّن الحافظ ابن حجر إسناد الحديث، وقال: هو أقوى ما ورد في قراءة سورة الكهف، وصححه الشيخ الألباني في “صحيح الجامع”، والصدقة على الضعفاء والمساكين في يوم الجمعة لها مزيةٌ على الصدقة في سائر الأيام.

والحكمة في النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام: أن يوم الجمعة عيد للأسبوع، فمِن أجل هذا نُهي عن إفراده بالصوم، ولأن يوم الجمعة يوم ينبغي للرجال فيه التقدُّم إلى صلاة الجمعة، والاشتغال بالدعاء والذِّكر، فهو شبيه بيوم عرفة الذي لا يشرع للحاج أن يصومه؛ لأنه مشتغل بالدعاء والذكر؛ لكن إذا صادف يومُ الجمعة يومَ عرفة، فصامه المسلم وحده، فلا بأس بذلك، وكذلك لو عليه قضاءٌ من رمضان، ولا يتسنى له فراغ إلا يوم الجمعة، فإنه لا حرج عليه أن يفرده؛ وذلك لأنه يوم فراغه، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء فصامه، فإنه لا حرج عليه أن يفرده؛ لأنه صامه لأنه يوم عاشوراء، لا لأنه يوم الجمعة، فالحديث نهى عن التخصيص؛ أي: أن يفعل الإنسان ذلك لخصوص يوم الجمعة أو ليلتها.

أحمد الفقيهي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق