إسلاميات

فضيلة النية والإخلاص

خواطر إيمانية

النية أساس قبول العمل، ولا عمل إلا بإحضار النية، فالأعمال الصالحة والطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى – من الصلاة والصيام والحج والعمرة – تحتاج إلى إحضار النية الصادقة والإخلاص لله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه” متفق عليه.

وللنية مكانة عظيمة وشأن رفيع في حياة المسلم، فهي التي تُميز العادات من العبادات، وتفرق بين عبادة وأخرى؛ يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: “وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء، وهو: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، فإن الإمساك عن الأكلِ والشرْبِ يقع تارة حِمْية، وتارة لعدم القُدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله عز وجل، فيحتاج في الصيامِ إلى نيَّةٍ؛ ليتميز بذلك عنْ ترك الطعام على غير هذا الوَجْهِ، وكذلك العباداتُ؛ كالصلاةِ والصيامِ، منْها نفلٌ، ومنْها فرضٌ، وكذلك الصدقةُ تكونُ نفلا، وتكون فرضا”.

ويشترط النية في صوم الفريضة، وأن تكونَ من الليل وقبل طلوع الفجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصيَامَ مِنْ الليْلِ، فَلا صِيَامَ لَهُ”.

والمعنى أنه من لم ينْو الصيام ويعزم على فعله من الليل، فلا صيام له، والنية محلها القلب، فلا يجوز النطق بها، وليست لها كلمات محددة؛ كأنْ يقول الإنسانُ: نويتُ أنْ أصومَ كذا، وليست لها ألفاظ خاصة.

والنية في الصوم أن يخطر على قلب المسلم أنه يصوم غدا، أو يعزم بقلبه أنهُ صائم غدًا، والراجح عند أهل العلم أن نية واحدة تكفي لشهر رمضان كله، فلا يلزم تجديد النية لكل يوم من أيام رمضان، إلا إذا انقطع بسبب سفرٍ أو مرضٍ، أما صومُ التطوع فلا يشترط له النية، بل يمكن للمسلم أن يصومه متى شاء، لعمل النبي صلى الله عليه وسلم.

والمطلوب من الصائم إخلاص النية لله تعالى وحده، واجتناب الرياء والسمعة والشهرة والتصنع، وغيرها من الأعمال التي تبيدُ العمل الصالح وتُضعف الإخلاص؛ لأن “العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملًا يُثقله ولا ينفعه”؛ كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله.

فالرياء والتصنع يقتل روح العبادة، ويهدم صرح الإخلاص، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بإخلاص العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، وفي الحديث القدسي: “أنا أغنَى الشُّركاءِ عن الشرك، مَن عمِل عملًا أشركَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشركَه”.

ونظرا لما يشتمل عليه الصوم من سر بين الله تعالى وبين عبده، لا يطلع عليه أحد، فإن الله تعالى خص الصوم بإضافته إليه تشريفا وتعظيما، فقال في الحديث القدسي: “الصومُ لي وأنا أَجزي به، يدَع شهوتَه وأكلَه وشُربَه من أجلي”.

يقول القرطبي: “وإنما خص الصوم بأنه لَهُ – وإنْ كانت العباداتُ كلها له – بأن الصومَ سر بين العبد وبين ربه لا يظهرُ إلا له، فلذلك صار مختصًّا به، وما سواهُ من العباداتِ ظاهرٌ، ربما فعلَه تصنعًا ورياءً، فلهذا صار أخصَّ بالصوم من غيره”.

فما أحوجنا إلى إخلاص النية وتصفيتها من جميع شوائب الشرك والرياء في هذا الشهر الكريم، الذي هو فرصة تدريبية سنوية لتهذيب النفس وسموها وتربيتها، وتعويدها على الإخلاص، وتقوية صِلتها بربها، والتخلص من الأمراض القلبية والروحية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق