مواسم البوح

فقير

قصة

تسلل خلسة من غير أن يحس به أحد في احدى المناسبات

مدّ يده أمسك بقطعة لحم كبيرة وحينما تملكتها يده تماما أخذت يده ترتجف من شدة الخوف سحب، يده بخفة تراجع تدريجيا إلى أن وصل مكانا قصيا جلس منزويا بجوار حائط متهدّم كانت عيونه جاحظة تنظر بحركة دائرية في كل الاتجاهات مخافة أن تقتلع منه تلك القطعة التي اشتهاها زمنا بعيد لم يذق طعمها من قبل أن يتوفي والده بعامين. حتى أيام فراش والده لم يهيئ له القدر فرصة كهذه .

أمسك القطعة بكلتا يديه ومررها على أنفه وعلى عينيه ثلاثة مرات ثم مسح بها كل وجهه ذكرى لرائحة قد طال انتظاره لها سنين عددا فلما وضعها علي فمه نزلت منه دمعة  أحس بها على خده الأيمن فسالت حتى وقعت علي ركبته العارية وحينما ذاق طعم اللحم اللذيذ انسكبت دموعه بغزارة على المذاق الذي لأول مره يميز طعمه الطيب.

أخذ يأكل بنهم شديد توقف فجاءة حتى القطعة التي وصلت لحلقه لم يبتلعها وقف بسرعة وارجع القطعة من فمه تذكر والدته التي حاله من حالها فأراد أن تشاركه هذا الاحساس المؤلم. تحرك قاصدا أمه فمشي مسرعا يكاد يطير وأخذ يتمتم في نفسه “أمي نور عيوني وأملي الذي أعيش لأجله، كم سهرت علينا الليالي الطوال تجوع لنأكل أنا وأخي الصغير، وتغطينا ببقايا ملابسها من البرد، أمي عفيفة ونظيفة اليد واللسان تكدح ليل نهار تقتطع من لحم بطنها لتوفر لنا مصاريف الدراسة، وحتى الآن أنا مقبل على الصف الثاني الثانوي وأخي الذي يتقدم للصف الثاني الأساسي أما اختي التي تليني مباشره عاجزة عن الحركة منذ ولادتها”.

سرد كل هذا وهو في طريقه الي البيت كأنه يتحدث لأحد معه وحينما خطت رجله عتبه الباب تراجع خطوة فنادته أمه ماذا تحمل؟

تلعثم في الكلام لـ…. لـ… لـ..حمة

نظرت اليه نظرة حتي سقطت قطعه اللحم من يده وبدأت تتحدث معه: “يا ولدي قيمه الانسان ايمان حق وضمير حي ويد نظيفة وقناعه تملأ النفس عزة وعفاف ويقينا،  يا ولدي إن لم يرزقنا الله الحلال نرزق أنفسنا بأيدينا الحرام ؟ لتمتلئ بطوننا وأجسادنا نارا وخسرانا في الدنيا والآخرة؟”.

كان الولد يقف في عزة تطال عنان السماء فخرا واجلالا بتلك الأم الصامدة الصابرة التي لم تغيرها محن الحياه ولم تكسرها الظروف ولم يثني عزيمتها الفقر والحوج، وأثناء ذلك الحوار الانساني العميق  توقفت عربة تحمل رجل كبير السن يجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وبجواره فتاه فاتنة تسحر العيون جمالا،  وروعة نزل الرجل وابنته من السيارة وتوجهوا بخطواتهم إلى الولد أامه كانوا في دهشه من ما رؤا،  تمتم الولد سرا: “عمي أحمد ؟ ما الذي أتي به هنا؟”.

كانت الام تقف في عزة وشموخ ترفع رأسها في إباء،   تمتمت سرا: “نحن لا نسأل غير الله تعالى ولن تحنينا السنين بل تزيدنا عزة و صبرا”.

سلم الرجل والبنت وأخبرهم الرجل وهو عم الولد شقيق والده أنه أصيب بداء لا شفاء منه ولا يريد لابنته أن تعيش وحيدة ويخاف الموت في أي وقت كما قال الطبيب،  وقال عم الولد أنه سيتنازل عن كل املاكه مقابل أن يتزوج ابن اخيه بنته، ويسكنوا في العمارة التي يمتلكها جميعهم.

رفضت الأم أولا بشدة، لكن أخذ يتحدث الولد لأمه حديث العقل الناضج: ” يا أمي، إنه عمي شقيق أبي وان كان قصر في واجبنا حينما كان في موقف قوة وهو الآن في موقف ضعف،  وهو لحمنا ودمنا وعرضه عرضنا فلن نخطئ كما أخطأ”.

ايمان بلمداني/ الجزائر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.